فهرس الكتاب
علماء القرآن بمعزل عن هذه التخبطات بما يحملونه من نور الوحي المعصوم، فقال تعالى (من أي شئ خلقه * من نطفة خلقه فقدره) [1] .
وقال تعالى (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تمنى) [2] . ثم بين هذه النطفة في مقام آخر فقال:
(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا) [3] .
أي نطفة أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة، فمن ذا الذي أخبر محمدا صلى الله عليه وسلم وهو النبي الأمي بهذه الحقائق التي لم يصل إليها العالم إلا بعد سلسلة من التخبطات وبعد اكتشاف أعقد الأجهزة والوسائل؟
الحقيقة الثانية: لقد ظلت البشرية تعتقد أن الجنين يتكون في الرحم دفعة واحدة، ولا يمر خلقه بأطوار، ولا يحدث له في الرحم إلا مجرد تكبير، ولم تصل حقيقة مرور الجنين في أطوار مختلفة من الخلق إلا مؤخرا، بعد اكتشاف المجاهر والمكبرات، ولكن القرآن الكريم ظل بمنأى عن هذا التخبط، وعاش المؤمنون به بمنأى عن هذه التوهمات، فلقد قرر منذ اللحظة الأولى أن الجنين يمر بأطوار مختلفة من الخلق، فقال تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقارا * وقد خلقكم أطوارا) [4] .
وقال تعالى (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث) [5] . ثم بين هذه الأطوار بالتفصيل فقال (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) [6] .
والسؤال الذي أطرحه عليك أيها المنصف: كيف استطاع محمد الرجل الذي عاش في الصحراء قبل قرابة ألف وخمسمائة عام أن يحدثنا بهذه التفصيلات والدقائق عن هذا العالم المجهول الذي يتوارى خلف ظلمات ثلاث، ظلمة
(1) عبس 18 - 19.
(2) النجم 45 - 46.
(3) الإنسان 2.
(4) نوح 13 - 14.
(5) الزمر 6.
(6) المؤمنون 12 - 14.