فالجواب: أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية, وقال غيره: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف كأنه يقال له: قد كُفَّت الشياطين عنك؛ فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية.
وسواء كان المعني علي الحقيقة أو المجاز فالثابت هو الأثر الكوني المحسوس لهذا الخبر النبوي
(( إذا جاء رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين ) )
ولكي نفهم هذا الأثر في رمضان نعرج على أثر الجنة والنار في غير رمضان
من ناحية الجنة يثبت الأثر من قول رسول الله صلي الله عليه وسلم النيل والفرات من أنهار الجنة [6]
قَالَ النَّوَوِيّ: فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ أَصْل النِّيل وَالْفُرَات مِنْ الْجَنَّة، وَأَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ مِنْ أَصْل سِدْرَة الْمُنْتَهَى، ثُمَّ يَسِيرَانِ حَيْثُ شَاءَ اللَّه، ثُمَّ يَنْزِلَانِ إِلَى الْأَرْض، ثُمَّ يَسِيرَانِ فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجَانِ مِنْهَا، وَهَذَا لَا يَمْنَعهُ الْعَقْل، وَقَدْ شَهِدَ بِهِ. قَالَ: وَقِيلَ: وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى هَذِهِ الْأَنْهَار أَنَّهَا مِنْ الْجَنَّة تَشْبِيهًا لَهَا بِأَنْهَارِ الْجَنَّة لِمَا فِيهَا مِنْ شِدَّة الْعُذُوبَة وَالْحُسْن وَالْبَرَكَة، وَالْأَوَّل أَوْلَى، وَاللَّهُ أَعْلَم
ومن ناحية النار يثبت الأثر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" [7]