وما إنْ تسمع ربّة المنزل هذا النداء الطفولي، حتى تخرج إليهم حاملة بيديها أو بوساطة وعاء كمية من الحلويات أو النقود لتوزعها عليهم، وعندها يتسلّم كل واحد نصيبه من الهدايا، وهنا يقفون أمام البيت نفسه، ليرددوا باسم صاحبه، فإذا كان ابن صاحب الدار اسمه محمد، فإنهم يصغرون هذا الاسم إلى حمودي، فيقولون مرددين معًا:
الله يخلِّي حمودي ... آمين
ابجاه الله واسماعيل ... آمين
وإثر ذلك ينتقل أهل الماجينة ليطرقوا بابا آخر في الحي، ليعودوا إلى بيوتهم محملين هدايا وافرة من الجيران وسكان الطَرَف-الحيّ-ويحرص العراقيون ـ الرجال فقط ـ بعد أداء صلاتي العشاء والتراويح على إجراء مسابقات شعبية تعرف بالمحيبس - الخاتم- وتضم عددًا كبيرًا من أهل المحلات - الحي أو الشارع- وتشمل حتى المدن ليشاركوا في هذه الألعاب التي تمتد حتى وقت السحور طيلة شهر الصيام المبارك.
سورية
ويتفنن السوريون بقدوم شهر الصيام بإعطائه الاهتمام المميز، حيث تستعد العوائل بتهيئة عدد من الأكلات السورية المعروفة كالمقبلات نحو التبولة، والمنتوشة، وتقديم الوجبات الرمضانية الخاصة كفتة الحمص، وداوود باشا، والكوسة المحشوة والكبة المقلية وكبة لبنية، والباذنجان المحشو، وورق العنب، والمقلوبة، والملوخية بالدجاج. أما الحلويات في سورية، فتزدهر محلات بيعها أيام رمضان، مثل القطايف بالجبنة، وبالجوز، والهريسة، والقشطلية، والمهلبية.
كذلك يجتمع الأطفال قبيل آذان المغرب في رمضان تحت مئذنة المسجد في حيِّهم، وهم يحملون بأيديهم فطورهم، ينتظرون بفارغ الصبر انطلاق المؤذن بالآذان ويقولون:
يا مؤذن قولها رِيْت دّقْنَكْ طُولها- طول المئذنة-
وإنْ كنت ما بتقولها تُوْقَع من فوق الماْدِنَه!
وعقب تناول الفطور، يتجمع أطفال الحيّ، وبيد كلّ واحد منهم صحن فارغ، ويدورون على بيوت الأغنياء منهم ليأخذوا السحور، ويقولون عند باب البيت:
محمّد على فَرسُه
ويقول لها دُورِي
يامَحْرَمَه من دَهَبْ
والشَّبَ غنْدُورِي
باريتني دُوْدِه على الحِيط مصْمُودَه
وعَرُوسْتَكْ يا محمّد مكحّله ومَصْمُودَه
ولولا محمّد ماجِيْنَا يحلّ الكِيس ويَعطِينا
يعطينا مِصْرِيَّه، ماكَفَتْنَا الخَرْجِيّه
أعطونا سحور أحسن
ما نخلع الباب والناجور!
لبنان
ويبرز دور التكافل الاجتماعي بصورته الكبيرة خلال أيام الصوم المبارك في لبنان .. حيث تقوم الجمعيات الخيرية بدورها في مساعدة المحتاجين والمتعففين، كذلك يقوم المحسنون بتقديم وجبات الإفطار للصائمين والمحتاجين عن طريق أحد الموسرين.
ونجد حلقات حفظ القرآن الكريم تكثر في المساجد اللبنانية، حيث يقوم حفظة كتاب الله العزيز بإعادة ختمه على شكل حلقات .. وتبرز مظاهر الاحتفالات برمضان من خلال أعلام الزينة التي ترتفع في كل مكان، واطلاق الأسهم النارية. وأما المقاهي الشعبية فيؤمها مرتادوها بعد صلاة التراويح لقضاء ساعات من السمر الثقافي والاستماع إلى بعض الدروس، ومشاهدة بعض الفنون المحلية. ومن مظاهر رمضان في لبنان في النصف الثاني منه مشاهدة الأطفال"الوداع"الذين يشكلون حلقة ذكر"النوبة"تطوف بإدارة المسحراتي إلى كل بيوت المنطقة فيأخذون العيدية وهم يحملون الرايات الملونة والطبل والصنوج للإعلان عن وقت السحور في ليالي الصيام.
الأردن
ومما يميز شهر الصيام في الأردن تلك الخيام التي تنصب في الأحياء لاستخدامها في الجلسات الرمضانية ويشهد السوق الأردني حركة شراء واسعة لتأمين احتياجات الناس من المؤن مثل الأرز والتمر هندي والحلويات وأنواع العصير. ويتم تبادل الأطعمة بين الجيران، علاوة على تبادل الزيارات بين الأهل والأقارب وتفطيرهم في البيوت حيث ينتظر الجميع إعلان أذان المغرب ومدفع الإفطار، ليبدءوا فطورهم الجماعي، بعدما يؤدي الرجال والنساء صلاتي العشاء والتراويح في مساجد الأحياء القريبة.
فلسطين
تتسِّم ليالي الصيام الرمضاني في المدن والقرى الفلسطينية بالسّهر والبهجة والترفيه البريء، فعقب غروب الشمس تُضاء الطرقات والشوارع والمآذن والمحلات التجارية في الأسواق، التي تعرض أنواعًا من الحلويات والبذورات والأشربة الخاصة بصائمي رمضان.
ولليالي الشهر الكريم في الأرض المحتلة طعمها الخاص للتواصل مع العادات المتوارثة بين الأجيال، ومن تلك العادات التي تقدم في ليالي رمضان المبارك تشكيل فرقة جوالة تعرف بـ"الحوّاية"، أو"المدّاحة"التي تجوب الأحياء والأزقة بعد تناول الفطور. ويقف أفرادها في زاوية مظلمة من دهاليز أحد البيوت ويشرعون منشدين بصوت واحد:
لولا فلان ما جينا (يسمون صاحب البيت) ،
حلُّو الكيس وأعطونا،
أعطونا حلاوانا، صحنين بقلاوة،
جاي علينا جاي،
بأيدنا العصاي نضرب الحواية،
وإرغيفين شلبيات،
وارغيفين حلبيات،
حي الله يا بلاد الشام،
فيها الخوخ والرمان،
دولابي يا دولابي،
يا سكر حلابي"."