الصفحة 3 من 44

"يا أيُّها الَّذين آمنُوا كُتِبَ عليكُم الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ على الَّذين مِنْ قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَقُّوُن". وفُرِضَ صيام شهر رمضان الكريم على المسلمين في أرض المدينة المنورة دار الهجرة والإيمان، حيث خرج سيد الكائنات النبي محمد- صلى الله عليه وسلم - من داره قاصدًا المسجد ليخاطب أصحابه وليبشرهم بفرض صيام رمضان، ومنوِّها بفضائله ونفحاته المتجلية بقوله الكريم:"آتاكم شهر رمضان خير وبركة، يغشاكم الله فينزل فيه الرحمة ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء فأروا الله فيه من أنفسكم خيرا فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عزّ وجل". وكان النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- يقول عند رؤيته هلال الشهر الكريم:"اللهم اجعله هلال رشد وخيرا آمنت بالذي خلقك"، ثم يقول:"الحمد لله الذي ذهب بشهر شعبان وأتى بشهر رمضان".

وكان -صلى الله عليه وسلم - يقف ليخطب في المسلمين في آخر يوم من شهر شعبان ويقول:"يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا. مَنْ تَقَرَب فيه بخطوة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزداد فيه رزق المؤمنين. مَنْ فَطَرَّ فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء". فقال الناس: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم؟ فأجابه رسول الله عليه الصلاة والسلام:"يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مضغة لبن".

وبين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فضائل خصها الله عزّوجل الصائمين في شهره فقال: سمعت رسول الله يوم أهل رمضان يقول:"لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن تكون السنة كلها رمضان". وعن ثبوت رؤية هلال الصيام، يقول ابن عمر- رضي الله عنهما- عنه عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم:"لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمّ عليكم فاقدروا له".

المأمون والمصابيح

يرصد المسلمون جميعًا في كل بقاع الأرض هلال رمضان الكريم لتحديد بداية غُرّة الشهر المبارك فيقف الناس فوق سطوح المنازل والمناطق المرتفعة، واليوم يحدده لنا علماء الفلك عبر المراصد الدقيقة، وبعد رؤية هلال الصيام الكريم تُنار المساجد ويؤمها المصلون لأداء الصلوات فيها وتلاوة القرآن الكريم. وذكر أحمد بن يوسف الكاتب بأنّ الخليفة العباسي المأمون بن هارون الرشيد قد أمره بالكتابة ليحثوا الناس على الإكثار من المصابيح في شهر رمضان لما لها من فضل. ويقول أحمد بن يوسف: فما دريت ما أكتب ولا ما أقول في ذلك، إذ لم يسبقني إليه أحد، فاسلك طريقه ومذهبه، وأضاف: فبعد أن نمت أتاني آت فقال لي: أكتب فإن في ذلك أنسا للسابلة وإضاءة للمتهجدين، ونفيا لرمضان الريب، وتنزيها لبيوت الله عز وجل من وحشة الظلم. فانتبهت وقد انفتح لي ما أريد، فابتدأت بهذا وأتممت عليه وصف ابن يوسف القيرواني صاحب العمدة هلال الصيام:

لاحَ لِي حاجِبُ الهِلالِ عَشِيَّا

فتَمَنَّيتُ أنّهُ مِنْ سَحَابِ

قُلْتُ أهلًا، وليسَ أهلًا لما قُلْـ

تُ ولكن أسْمَعْتُها أصْحَابِي

أما الشاعر ابن حمديس الصقلي فرحب بهلال رمضان قائلا:

قُلْتُ والنّاسُ يَرقُبونَ هِلالًا

يُشْبِهُ الصَبَّ مِنْ نَحَافةِ جِسْمِهْ

مَنْ يَكُنْ صَائمًا فذا رَمضانُ

خَطَّ بالنُّورِ للورى أوَّل اسْمِهْ

المبحث الثاني

التهاني والتبريكات

يتبادل النّاس في كل مكان التهاني ويرسلون التبريكات عند مقدم شهر رمضان المبارك، وفي المناسبات الخاصة والعامة. ولمّا حلّ شهر الصيام علينا ضيفًا مُحملًا بالبركات والخيرات الوفيرة، والهداية الحقّة ورفع التهاني بحلوله بين الجهات الرسمية والشعبية ما يزال جاريًا إلى يومنا هذا. ونجد أدبنا العربي قد حفل بالعديد من قصائد التهنئة أي - رسم التهنئات-وفي مقطوعات نثرية بليغة.

من القطع النثرية

هنأ الأدباء والكُتّاب بقطع نثرية جميلة مرسلة حلول غُرة شهر رمضان الكريم، فكتب الإمام جعفر الصادق عليه السلام قائلًا:"الصوم جُنَّة من آفات الدنيا، وحجابٌ من عذاب الآخرة، فإذا صمت فإنّه بصومك كفُّ النفس عن الشهوات وقطع الهمة عن خطوات الشياطين".

وكتب الإمام الحسن البصري -رحمه الله- عن شهر الصيام قائلًا:"إنّ الله تعالى قد جعل رمضان مضمارًا لخلقه، يَسْتَبِقُونَ فيه بطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا فالعجب للضاحك اللاّعب في اليوم الذي فاز فيعه المسارعون، وخابَ فيه الباطلون، فالله الله عباد الله اجتهدوا أن تكونوا من السابقين ولا تكونوا من الخائبين، في شهر شرَّفَهُ ربّ العالمين ... ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت