أمّا الصاحب بن عبّاد فأرسل قطعة نثرية يهنئ فيها أحد الأمراء بمقدم شهر الطاعة والغفران جاء فيها:"كتابي أطال الله بقاء الأمير، غُرّة شهر رمضان، جعل الله أيامه غرّاء، وأعوامه زهراء، وأوقاته إسعادًا، وساعاته أعيادًا، وأتاه في هذا الشهر الكريم مورده ومأتاه أفضل ما قسم فيه لمن تقبل أعماله فبلغه آماله ...".
ومن القطع النثرية ما كتبه أبو الحسن سعد مُهنئًا أحد الأصدقاء بحلول شهر الصيام قائلًا:"جمع الله لمولاي في هذا الشهر الشريف، شروط آماله، وأحكام أماليه، في حاضر أمره وعاقبته، وعاجل دنياه وأخرته، وأبقاه لأمثاله بقاء لا يتناهى أمده في ظل عيش يرضاه ويحمده". وله أيضًا في تهنئة أحد الولاة بقوله:"عرف الله مولانا بركة هذا الشهر الشريف وأيامه، وأعانك على صيامه وقيامه، ووصل لكَ ما يزيد من فضله وإكرامه، وتابع لكَ المزيد من مَنائِحِه، وإنعامِهِ، وختم لكَ بالسعادة العظمى بعد الانتقال في الجّاهِ والرّياسةِ إلى أبعد المدى، وفي الخير والثروة إلى أقصى المُنى".
ونقرأ من الأدب العربي الحديث تهاني لعدد من الأدباء، ومنهم لصاحب وحيّ القلم الأديب مصطفى صادق الرافعي الذي قال:"شهرٌ هو أيامه قلبية في الزمن، متى أشرفت على الدنيا قال الزمن لأهله: هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السمو، يتعهد فيها النفس برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو".
وعبّر الأديب عباس محمود العقاد عن شهر رمضان شهر الإرادة قائلًا:"رمضان شهر الإرادة .. أدبه أدب الإرادة، وليست الإرادة بالشيء اليسير في الدين وما الخلق إلاّ تبعات وتكاليف، وعماد التبعات والتكاليف جميعا إنها تُنَاطُ بمريد ومن ملك الإرادة فزمام الخلق جميعًا في يديه".
تهاني الشعراء
وبعث الشعراء قصائد شعرية تضمنت تهانيهم بحلول أيام الصيام، ومن إضمامة الشعر الفواحة أبيات الشاعر ابن حمديس الصقلي الذي هنأ بها الأمير أبا الحسن علي ابن يحيى بحلول شهر رمضان:
واقتَضَى الشَّهرُ من مَعَالِيكَ صُنْعًَا
مُعْلِيًا مِنْهُ هِمّةً باهتِمَامِ
وهنأ الصقلي قدوم الشهر الفضيل بقوله أيضًا:
صُمْتَ للهِ صَوْمَ خَرْقٍ هُمَامٍ
مُفِطِّر الكَفايا بالعَطايا الجِسَامِ
أطلعَ اللهُ للصِيامِ هِلالًا
ولنا مِنْ عُلاَكَ بَدْرَ تَمَامِ
وهنأ بحلول رمضان بأبيات شعرية عبد الصمد بن بابك للصاحب بن عباد فكتب إليه:
كَساكَ الصّومُ أعمارَ اللَّيالي
وأعقبكَ الغنيمةَ في المَآبِ
ولا زالتْ سُعُودُكَ في خُلُوْدٍ
تَبَارِي بالمَدى يومَ الحِسَابِ
وكتب الشاعر ابن دراج القسطلي مهنئًا:
ويُهَنِيْكَ شهرٌ عند ذِي العَرشِ شَاهِدٌ
بأنّكَ بَرٌّ للصِّيامِ وُصَولُ
فَوَفَّيتَ اجْرَ الصّابرينَ ولا عَدَا
مَسَاعيكَ فَوزٌ عَاجِلٍ وقَبُولُ
أما تميم بن المعز فقال في تهنئته بالشهر الكريم:
ليُهنِئكَ أنِّ الصَوْمَ فَرْضٌ مُؤْكَدٌ
مِنَ اللهِ مَفْرُوْضٌ على كُلِ مُسْلمِ
وانّكَ مَفْرُوْضُ المَحَبَةِ مِثْلُهُ
علينا بِحَقٍ قُلْتَ لا بالتَّوَهُمِ
وبعث أحد الشعراء الأبيات التالية مُهنئًا صديقه بحلول شهر رمضان:
شَهْرُ الصِّيام جرى باليُمْنِ طَائِرُهُ ... ودَامَ قَصْرُكَ مَرْفُوعًا مَجَالِسُهُ
عَليكَ مَاجِدُ بَادِيْهِ وحَاضِرِهِ ... لِزَائِرِيْهِ وَمَنْصُوْبًَا مَوَائِدُهُ
المبحث الثالث
التوحيش .. الوداع
اعتاد مؤذنو المساجد والجوامع في الأيام الأواخر من شهر رمضان الكريم، أنْ يودعوه بكلمات ذات نبرات مؤسية، ونغم حزين، لها وقعها على آذان السامعين، حيث يكون الضيف الكريم قد جهزّ نفسه ليودعنا بعد أن حلّ بين ظهرانينا حاملًا معه الخير والعطاء، والأجر والثواب وهو أكرم الشهور، شهر الله وشهر القرآن المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام. وقد رددّ المؤذنون من المأثور عن الوداع- التوحيش- قائلين:
لا أوحشَ الله منك يا رمضان؟
لا أوحشَ الله منك ياشهر القرآن
لا أوحشَ الله منك ياشهر الصيام
لا أوحشَ الله منك ياشهر القيام
لا أوحشَ الله منك ياشهر الكرم والجود
لا أوحشَ الله منك ياشهر الولائم
لا أوحشَ الله منك ياشهر العزائم ...
وقال الخوارزمي في معنى:"لا أوحش الله منك"، أي لا أذهبك الله، فتوحش أحباءك من جانبك بالفراق، ومنه قول الشاعر الأبله البغدادي:
مَادَامَ جُودُ يَدَيْكَ مَوْ ... جُوْدًا فما مَاتَ الكِرَام
لا أُوحَشَتْ دَارُ السّلا ... مِ مِنْ ارتيَاحِكَ والسَّلام
وأشار أبو العلاء المعري إلى ذات المعنى ببيته القائل:
لا أوْحَشَتْ دَارك من شَمْسِها ... ولا خَلا غَابُكَ مِنْ أُسْدِه
مقطوعات نثرية