الصفحة 5 من 44

وكتب الكُتّاب العرب مقطوعاتً نثريّة، بيَّنوا في ثناياها بأسلوبهم وبيانهم الرشيق ألم الفراق الذي سيتركه الشهر الفضيل وهو يشد رِحاله مودعًا على أمل العودة في العامالقادم، فكتب أحدهم عن تلك اللحظات الأليمة على نفوس الصائمين قائلًا:

"يا شهر رمضان أين أرباب القيام؟ أين المجتهدون في جنح الظلام؟ أين الذين يهجرون المنام؟ وتمنوا لو كان رمضان على الدوام ذهبوا إلاَّ قليلًا منهم فعليهم السلام، كانوا قليلًا من الليل يهجعون و بالأَسْحَارِ هم يستغفرون".

وكتب آخر عن لحظات الوداع لأيام التلاوة والذكر والصيام والقيام بقوله:"ياشهر رمضان، أين أرباب القيام، أين المجتهدون في جُنْحِ الظلام؟ أين الذين يهجرون المنام؟ ويتمنون لو كان رمضان على الدوام؟ ذهبوا إلاّ قليلًا منهم فعليهم السلام كانوا قليلًا من الليل يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون؟"

وداع الشعراء

أودع الشعراء العرب في وداع شهر رمضان الكثير من القصائد الشعرية عبر العصور الأدبية المختلفة، والتي توضح اهتمامهم بهذا الشهر وما يتركه في نفوسهم من حسرة على أيامه المباركات، فقال بعض الشعراء القدامى، وهو ماكان يهتف به من مآذن المساجد، ويسمعه الصائمون في كل مكان:

ياصَائِمِي رَمَضانَ فُوْزُوا بالمُنَى ... وتَحَقَّقُوا نَيْلَ السَّعادةِ والغِنَى

وَثِقُوا بِوَعْدِ اللهِ إذْ فيهِ الهَنَا ... أوَ ليسَ هذا القَوْلُ قولَ إلهِنَا

الصومُ لي وأنا أجزي بهِ

مَنْ صَامَ نالَ الفَوزَ من رَبِّ العُلا ... وَبِوَجهِهِ أضْحَى عَلَيهِ مُقَبِّلا

يَامَنْ يَرُومُ تَوَسُّلًا وتَوصُّلًا ... صُمْ رَغْبَةً في قولِ ربٍّ قَدْ عَلا

الصومُ لي وأنا أجزي بهِ

وكتب الشاعر الأبيوردي قصيدة في مدح الوزير رشيد الدولة ابن أبي الفرج، مودعًا شهر الصيام الكريم، ذاكرًا في أبياتها محاسن رمضان، وكونه ليس أول من يرحل عنه ويتركه فقال فيها:

صَوْمٌ أغارَ عليهِ فِطْر ... كالنَجْمِ بَزَّ سَنَاهُ جَمْر

بِنْ ياصِيَامُ فَلَمْ تَزَلْ ... فَرْعًَا لهُ الإفطارُ نَجْر

ولهُ الشُّهُورُ وإنّما ... لكَ مِنْ جميعِ الحَوْلِ شَهْر

ما كنتَ أوّلَ راحِلٍ ... ودَّعتَ والزَّفَراتُ جَمْر

كالظَّعنِ ليلةَ فاحَ في ... جَيْبِ التَنُوفَةِ منهُ عِطْر

بَدَأوا بأخذِ قُلُوبِنا ... زَادًا وقَالوا نَحْنُ سَفر

ومَضُوا وما بِقِبَابِهِم ... إلاّ عَجَاْجُ الخيَلِ سِتْر

وبيّن أحد الشعراء في قصيدته كيف سيكون مآلهم، عندما يودعون أيام الصيام، فهل ستقبل أعمالهم أم لا؟ فقال:

أيُّ شَهْرٍ قَد تَوَلَّى ... يا عِبَادَ اللهِ عنّا

حَقَّ أن نَبْكِي عَلَيهِ ... بِدمَاء لو عَقِلْنَا

كيفَ لا نَبْكِي لِشَهرٍ ... مَرّض بالغَفْلَةِ عنّا

ثُمَّ لا نَعْلَمُ إنّا ... قَدْ قُبِلْنَاَ أو طُرِدْنَا

ليتَ شِعْرِي مَنْ هُوَ المَحْ ... رُومُ والمطرود منّا

وَمَن المَقبولُ مِمّن ... صَائِمٌ مِنّا فَيَهْنا

الفصل الثاني

بين اللغة والأدب العربي

المبحث الأول: رمضان والصوم

المبحث الثاني: في الفطور الرمضاني

المبحث الثالث: مفاكهات الصائمين

المبحث الأول

رمضان والصوم

حفل اسم رمضان والصوم والصيام العديد من الاهتمامات التي سطرها المصنفون العرب في مؤلفاتهم التي تركوها خلال العصور الإسلامية، لاسيما في كتب التاريخ والتراجم وفي دواوين الشعراء، وعند اللغويين والكُتّاب أصحاب البلاغة والبيان.

رمضان في اللغة

هنالك اختلاف في اسم رمضان عند علماء اللغة السمحة. فيعني الفعل رَمَضَ: الحجارة، والرَمْضَاء هي: الأرض الشديدة الحرارة من وهج الشمس. وقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم:"صلاة الأوّابين إذا رَمَضَتْ الفصال"، أي إذا أحرقت الرمضاء لِخِفَافِها فَبُورِكت من شدة الحرِّ. وتكون صلاة الأوّابين في وقت الضحى.

وشاءت المصادفات أن كان الوقت حارًا عندما أرادت العرب تسمية الشهور فسميّ الشهر ذاك بشهر رمضان. ويقال رَمَضَتْ النصل، إذا دفعته بين حجرين لِيَرُّقَ، وسميَّ رمضان لأن العرب كانوا يَرْمِضُوْنَ فيه أسلحتهم استعدادًا للقتال في شهر شوال الذي يسبق الأشهر الحرم.

وقد أطلق رَمَضَانُ على شهر الصيام لأنه يَرْمِضُ الذنوب أي يحرقها أما عند الخليل بن أحمد الفراهيدي فإنه: مشتق من الرمضاء وهو: مطر يأتي قبل فصل الخريف.

في الصوم ...

واشتُق الصوم في اللغة العربية من المصدر، صامَ يصوُمُ ومن مصادره: الصيام فتقول: رجل صائم وصَوْمَان على الوصف بالمصدر، وهو ما يوصف به المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع. ويجمع الصائم على: صُوّام وصِيّام وصُوَّم وصِيَّم وصَيامَى، وتدور جميعها حول الأصل، ففي قولنا: صامَ الرجل، امتنع وفي قول الحق تعالى على لسان مريم في سورة مريم/26:"إنّي نَذَرْتُ للرَّحْمَنِ صَوْمًَا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيَّا"، بمعنى امتنع، لأن المراد بالصوم بالآية المباركة هو الصمت والامتناع عن الكلام.

ابن الجوزي والشهور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت