إنّ لشهر الصيام طقوسًا ونكهة يتذوقها المسلمون طيلة أيامه الكريمات. ولرمضان عند السلف في ماضي أيامه أثار عن فضائله وتفرده عن سائر شهور السنة كلها. فقال وكيع في تفسير قوله تعالى:"كُلُوا واشْربُوا هَنِيْئًا بِمَا أَسْلَفْتُم في الأيَّام الخالية". إنّها أيام الصوم تركوا فيها الأكل والشرب. وروي عن قتادة انه كان يقول:"مَنْ لم يغفر له في شهر رمضان فلن يغفر له في غيره".
ولبيان منزلة رمضان بين أشهر السنة والفصول نشير إلى ما كتبه الإمام ابن الجوزي في بستان الواعظين فقال:"مثل الشهور الاثني عشر، كمثل أولاد يعقوب، وكما أنّ يوسف أحب أولاد يعقوب إليه، كذلك رمضان أحب الشهور إلى الله وكما غفر لهم بدعوة واحدة منهم وهو يوسف كذلك يغفر الله ذنوب أحد عشر شهرا ببركة رمضان". وقال الرازي عن الشهر المبارك:"إنّ الله سبحانه وتعالى خصه بأعظم آيات الربوبية، وهو أنه أنزل فيه القرآن فلا يبعد أيضا أن يخصصه بنوع عظيم من آيات العبودية، وهو الصوم".
أمّا أبو بكر الورّاق فكتب في منزلة رمضان بين شهور السنة:"مثل رجب مثل الرياح، شعبان مثل السحاب ورمضان مثل المطر". كذلك نقرأ ما قيل بحق شهر القرآن الكريم، شهر الطاعة والغفران بأنّ:"رجب خُصّ بالمغفرة من الله وشعبان بالشفاعة، ورمضان بتضعيف الحسنات".
الشعراء ورمضان
ويدور شهر الصوم على المسلمين عِبْرَ أيام السنة كلها فيصومه المسلمون في كل الفصول وكان الشعراء أكثر اهتمامًا بنظم القصائد إذا جاء شهر رمضان في فصل الربيع، فصل البهجة والسرور، أما فصل الصيف اللاهب فيومه طويل وحرّه يفضي إلى العطش والتعب عندهم، على الرغم من أنّنا نصوم أيامه في عزّ الشتاء الماطر. وقد أنشد الشاعر السَريّ الرفّاء في طول أيام الصيام:
إذا طالَ شَهرُ الصَّومِ قَصَّرتُ طُولَه
بِحَمْرَاءَ يَحكي الجُلّنارَ احمِرَارُها
يُقصِّر عُمْرَ الليلِ _ إنْ طالَ- شِرْبُها
ويَعْمَلُ في عُمْرِ النَّهارِ خِمَارُها
ورسم لنا الشاعر ابن الحجاج رمضان بصورة ثانية إذا حلّ ضيفًا علينا في شهر آب اللهَّاب - أغسطس- فيقول في هذا البيت:
شهرٌ أراهُ يلجَّ مَعَ مَنْ
يغتاظُ من طولِهِ ويُدْرِدِ
كذلك يقول ابن عون الكاتب في أيام الصوم عند حلولها في فصل الربيع النضر:
جَاءَنا الصّومُ في الرَّبِيعِ فَهَلاّ
اختارَ رَبْعًا من سَائِرِ الأرْبَاعِ
وكأنَّ الرَّبيعَ في الصّومِ عِقْدٌ
فوقَ نَحْرٍ غَطّاهُ فَضْلُ قِنَاعِ
ثم نعود إلى شهر آب وأيامه الحارة لنتمثل ذلك في قول ابن الرومي:
شَهْرُ الصّيامِ مُبَارَكٌ
ما لم يَكُنْ في شَهْرِ آب
خِفْتُ العَذَابَ فَصُمْتُهُ
فَوَقَعْتُ في نَفْسِ العَذَاب
وبيَّن الشاعر بشار بن بُرد شدة تعبه من الصوم والجهد ونحول جسمه أيام رمضان فقال:
قُلْتُ لَشَهْرَ الصّيامِ انْحَلْتَ جِسْمِي
فمتى يا تُرَى طُلوعُ الهِلالِ
اجْهِدِ الآنَ كلّ جُهْدِكَ فِيَنا
سَنَرَى مَا يَكُونُ في شَوّالِ
المبحث الثاني
في الفُطور الرمضاني
يكثر في أيام رمضان استعمال لفظ، الفطور والإفطار، ومدفع إفطار. . ومتى يحين فطور هذا اليوم وسواها الكثير. فنقول في لغتنا السمحة: فطر الصائم _ من باب نقر. افطر، أكل وشرب، والاسم الفطر، وفطّرته، وافطرته. ورجل فَطِر، أي مفطور، وهو مصدر في الأصل _ ونقول، افطر الصائم، حان له أن يُفْطِر، ودخل في وقت الإفطار، والفطور، ما يفطر عليه، وكذا الفطوري.
أما وقت الإفطار فيكون إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية، بإخبار عدل أو عدلين، أو تيقن الغروب باجتهاد بيِّن. وإذا كان الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم- صائما، أمر رجلًا فأوفى على كل شيء، فإذا قال: غربت الشمس افطر. وقال عليه الصلاة والسلام:"إذا اقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من ههنا، فقد افطر الصائم". ومن السنة النبوية الشريفة تعجيل الفطر بقوله -عليه الصلاة والسلام-:"لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار، وأخروا السحور". أو قوله:"لا تزال أمتي على سنتي، مالم يفطروا بفطرهم طلوع النجوم".
وعن أبي عطية قال: دخلت أنا ومسروق إلى عائشة رضي الله عنها فقال لها مسروق، رجلان من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم _ كلاهما لا يألوان عن الخير، أحدهما يُعجِّل الإفطار، والآخر يُؤخِّر المغرب والإفطار. فقالت، من يعجل المغرب والإفطار؟ قال، عبد الله بن مسعود. فقالت، وهكذا كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يصنع. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: احب عبادي إليَّ أعجلهم فِطْرًا". وعن أنس قال: ما رأيت النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قط صلّى المغرب حتى يفطر، ولو كان على شربة ماء".
شيء عن الفطور