الصفحة 35 من 44

أما اثر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي جمع الناس على صلاة واحدة لأداء التراويح في أيام رمضان، فعن السائب بن يزيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمع الناس في رمضان على أُبيّ بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول:"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".

السَّحُور

لعلّ مما يتفرد به شهر الطاعة والغفران، لياليه الجميلة، وإحياءها بالذكر والعبادة، حيث يستيقظ الصائمون في هزيع الليل المتأخر طيلة أيام رمضان لتناول طعام السَّحور، كي يسدوا رمقهم لأداء صيام يوم جديد. فالٍسَّحور في لغة العرب هو: طعام السَحَر وشرابه، وما يتسَّحر به الصائمون من طعام أو شراب. يقول ابن الأثير: السَّحور اسم ما يتسَّحر به من الطعام والشراب، ونقول في كلامنا: تَسَحَرَّ بمعنى أكل السَّحور. والسَّحور المصدر والفعل نفسه. وقال الأزهري:"السَّحور ما يتسَّحر به وقت السَحَر من طعام أو لبنٍ أو سُويق". والسحر: الكبد وسواد القلب، ونواصيه، وقيل بل هو القلب.

والسَحُور كالوُضُوء والسُعُوط ونحوهما: اسمٌ لما يُؤْكَل وقت السَحَر، أو ما يتسحر به من طعام وشراب، والسَّحرة ـ كسمرة ـ السَّحر الأعلى، تقول أتيته بسحر وسحره. والسُحور: فعل الصائم نفسه أي تناوله السَّحور وتَسّحر: أكل السَّحور، والسَحَر ما بين الفجر الصادق والكاذب، لأنَّ له وجهًا من النهار، ووجهًا في الليل، فلا يسمى سحورًا إلاّ ما كان في ذلك الوقت، فالسَّحور طعام السَحْرِ وشرابه.

أيام النبيّ الكريم

والسِحْر هو البيان والوضوح في فطنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إنّ من البيان لسحرا". وورد في حديث السيدة عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها - قولها:"مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سِحري ونَحري". فالسِحر: الرئة، أي مات عليه الصلاة والسلام وهو مستند إلى صدرها بما يحاذيه.

وحثّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الصائمين على السحور لما فيه من البركة بقوله الكريم:"تسحروا فإن في السحور بركة". وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان لرسول الله مؤذنان بلال وابن أم مكتوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّ بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. قال ولم يكن بينهما إلاّ أن ينزل هذا ويرقى هذا". وورد في حديث عمرو بن العاص- رضي الله عنه -أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم -قال:"فعل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور". والفطور والسحور كلمتان تذكران طيلة أيام رمضان المبارك، إذ هما موعد بدء الإفطار والإمساك عن تناول الطعام قبيل صلاة الفجر بعد أن يستيقظ الصائمون في آخر الليل ليسدوا به رمقهم لليوم التالي من صيامهم. وللسحور أحاديث مروية، قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حديث شريف:"تسحروا فإن في السحور بركة".

المسَّحَراتي

وينفرد شهر رمضان عن سائر شهور السنة الهجرية بميزات متعددة وأنماط معينة .. أبرزها"المسَّحراتي"ذلك الرجل الذي أخذ على عاتقه إيقاظ الناس لتناول السَّحور .. بحثًا عن الثواب من عند الله .. ثم أخذ هدايا الصائمين في نهاية الشهر المبارك. وأخذ هذا الرجل أشكالًا عدة، وكان ظهوره مع فرض الصوم في شهر رمضان أيام النبيّ محمد- صلى الله عليه وسلم- وإن لم يأخذ هذا المسمى بشكل قاطع. وقد جرت السُّنَة عند المسلمين أن يتسّحر الصائم تقويًا على الصيام لأنّ الشارع الحكيم لا يريد من الصوم تعذيب النفس ولا تحطيم الجسم، بل يريد التصفية والتهذيب، ولهذا كان من السنة المباركة تعجيل الفطور وتأخير السحور، ترويحا من الجهد، وحفظا لقوام الجسد. فعن عمرو بن ميمون الأزدي قال:"كان أصحاب محمد -صلّى الله عليه وسلّم- أسرع الناس إفطارًا وأبطأهم سحورا".

وتحدث ابن القيم عن إفطار النبي عليه الصلاة والسلام فقال:"كان عليه الصلاة والسلام يعجل الفطر ويحض عليه ويتسحر ويحثُّ على السحور ويؤخره ويرغب في تأخيره"كما أنّه - عليه الصلاة والسلام- كان يعتد بأكلة السحور الخاصة بأمته، وعن عبد الله بن الحارث قال:"دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عليه فوجده يتسحر، فقال: إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوها"

ولما كان السحور يقع في أخريات الليالي، فقد اتخذت منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وسائل لتنبيه الصائمين لوقت التسحير، حيث كان المسلمون يعرفون جواز الأكل والشرب بآذان بلال بن رباح، ويعرفون الامتناع عنه بأذان ابن أم مكتوم، وفي الحديث الشريف:"أنّ بِلالًا ينادي بليل، فَكُلُوا واشْرَبُوا، حتى ينادي ابن أم مكتوم". وعُدّ الصحابي بلال بن رباح أوَّل مَنْ نَادى للسَّحُورِ في الإسلام.

نداءات التسحير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت