الصفحة 36 من 44

وعُرفت المآذن في بيوت الله ... كمفردة رمضانية ومصدر إعلامي يستقي الصائمون منها بلاغ المؤذنين حول بدء السحور والإمساك عنه، وان اختلفت صيغ النداء منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما تلا ذلك من حقب وعصور، لكنّ نداء التسحير بقيَّ طقسًا راسخًا في ذاكرة الناس الجمعية، وتميز هذا الطقس بقيام المؤذنين بأداء أربعة نداءات وتذكيرات للمتسحرين، إذ كانوا يقولون في أول النداء:

أَيُّها النُوّام قوموا للفلاح

واذكروا الله الذي أجرى الرياح

إنّ جيش الليل قد ولّى وراح

وتدانى عسكر الصبح ولاح

اشربوا عجلى فقد جاء الصباح

معشر الصوّام يا بُشراكم

ربّكم بالصوم قد هنّاكم

وجوار البيت قد أعطاكم

فافعلوا أفعال أربابِ الصلاح

اشربوا عجلى فقد ولى الصباح

ثم يذكر المؤذنون في النداء الثاني:

كُلوا رضيّ الله عنكم،

كُلوا غفرَ الله لكم،

كُلوا ممّا في الأرض حَلالًا طيبًا،

كُلوا من الطيبات واعملوا صَالحًا،

كُلوا من رزق ربِّكم واشكروا له،

بلدةٌ طيبةٌ وربّ غفور.

أما التذكير الثالث فينادون فيه:

يا مدبر الليالي والأيام،

يا خالق النور والظلام،

يا مُلْجِأ الأنام،

ياذا الطول والإنعام،

رَحِمَ اللهُ عبدًا ذكرَ الله،

رَحِمَ اللهُ عبدًا شكرَ الله،

رَحِمَ اللهُ عبدًا قال:

لا إلهَ إلاّ الُله محمدٌ رسول الله.

ثم يرددون مكررين في التذكير الأخير:

اشربُوا وعَجِّلُوا،

فقد قَرُبَ الصَباح

وكان الناس يدعون ربّهم في الأسحار لأن دعائهم مستجاب من الخالق الجليل نحو دُعائهم:

اذكروا الله في القُعُودِ والقِيَام،

وارغبُوا إلى الله تعالى بالدُعاء والثَناء،

اشربُوا وعَجِّلُوا فَقَد قَرُبَ الصَباح.

الزمزمي في مكة

عُرف المسحراتي عبر مراحل مختلفة بصور ومظاهر متنوعة، سواء من حيث الترديدات الكلامية، أو من ناحية هيئته وأدواته التي يستخدمها في تأكيد هذه الحالة الرمضانية التي تشير إلى الروابط الحميمية بين الصائمين، وهذا الرجل الذي أخذ على عاتقه ترسيخ هذا التقليد في هزيع الليل الأخير من أيام الصيام .. ولا سيما وأنّ المسلمين في عصورهم المتعاقبة قد عرفوا المسَّحراتي، واهتموا به، ووضعوا له مكانة رفيعة حتى عند عِلْيَةِ القَوْم، فقد اشتهر بالتسحير الزمزمي في مكة والذي تولى التسحير في منارته في الركن الشرقي من الحرم ومعه أخوان صغيران فيقاولانه فيقول:

نياما قوما

قوما للسحور

فيردد الطفلان ما قاله الزمزمي ثم ينشد السابق ذكره:

أيها النوّام قوموا للفلاح.

وفي كل مرة ينادي الزمزمي بهذا النداء ثم يرخي طرف حبل جمعه في يده فينخفض فيتدلى منه قنديلان كبيران معلقان في أعلى المنارة، فمن لم يسمع نداء التسحير يبصر القنديلين ينزلان فإذا لم يشاهدهما علم أن وقت السحور قد فات.

ابن نقطة في بغداد

يُعد القوما من الفنون السبعة الشعرية عند أهل العراق والجزيرة. وكان الفن موسميًا رمضانيًا أريد به إحياء لياليه حتى السحور وإنّ النساء كُنّ يشاركنّ في قوله إضافة للكان وكان، وكانت عملية التسحير بالشعر والغناء والدعاء نوبة أو دورًا يجري على فرقة المُسَحِرين واحدًا واحدًا لكنّ ختامها يكون بالقوما. وكان ابن نقطة من مُسَحِري شهر رمضان في العصر العباسي، إذ كان يوقظ الخليفة الناصر لدين الله في بغداد، وكان ينادي في تسحيره بأشعار القوما قائلًا:

قوما تسحر قوما

فلما مات ابن نقطة ذهب ابنه، وكان له صوت جميل ووقف تحت قصر الخليفة الناصر لدين الله ثم أنشد بصوت مرتفع:

يا سيد السادات

لك في الكرم آيات

أنا ابن أبو نقطة

تعيش أبويا مات

فأعجب الخليفة الناصر لدين الله بسلامة ذوقه، ولطف إشارته، وحسن بيانه مع إيجازه، فأحضره وخلع عليه ورتب له ضعف ما كان لوالده. ولم يقتصر التسحير على الرجال إذ عملت في هذه الحِرفة الرمضانية بعض النساء، وقد أنشأ الشيخ زين الدين بن الوردي في إحدى المُسَحِرات في ليالي رمضان قائلًا:

عَجِبْتُ في رَمضانٍ مِنْ مُسَحَّرَةٍ

بَديعةِالحُسْنِ إلاّ أنّها ابتَدَعَتْ

قامَتْ تُسَحّرُنا لَيْلًا فَقُلْتُ لَها:

كيفَ السَّحورُ وهذي الشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ

ابن عنتبة في مصر

وتشير أغلب الروايات إلى اهتمام الولاة والحكام بهذا التقليد الجميل، إذ يُعد عنتبة ابن اسحق (ت 238هـ) والي مِصْر، أول من صاح بالتسحير في طرقاتها. إذ كان يخرج بنفسه ويسير على قدميه من مدينة العسكر بالفسطاط إلى جامع عمرو بن العاص وكان ينادي بطريقة للسحور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت