الصفحة 37 من 44

و تنوعت طرق وأساليب المسحرين في إيقاظ الصائمين النائمين، إذ كان التسحير في غير الجوامع يتم بوساطة الطبلة المعروفة لدينا الآن، يطوف بها أصحاب الأرباع وغيرهم على البيوت، ويضربون عليها، فيما كان أهل الإسكندرية واليمن وبعض أهل المغرب يسحرون بدق الأبواب على أصحاب البيوت، وينادون عليهم: قوموا كلوا، ويسحر أهل الشام بدق الطار أو الدف كما يعرف اليوم، وضرب الشبابة والعزف على العيدان والطنابير والصفافير وغناء بعض الأشعار والأهازيج الداعية إلى التسحير. وكان المغاربة يضربون بالنفير -البوق- على المنارة، ويكررونه سبع مرات، ثم يضربون بعده بالأبواق سبعًا أو خمسًا، فإذا انتهوا حُرِّم على الصائمين تناول طعام السحور.

عند ابن جبير

ويرجح الباحثون بأنّ فكرة فانوس السحور كأحد مظاهرها التقليدية والمنتشرة في مدن الإسلام قد ظهرت أولا في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة، ومنها انتشر الفانوس سريعا إلى كل الأقطار الإسلامية. وأشار الرحالة العربي ابن جبير إلى فانوس رمضان في مكة المكرمة، عند زيارته لها في شهر رمضان للعام 578 هجرية، إذ كتب:"بأن التسحير خلال شهر رمضان كان يتم من خلال المئذنة التي في الركن الشرقي للمسجد الحرام وذلك بسبب قربها من دار شريف مكة، فيقوم المؤذن الزمزمي بأعلاها وقت السحور داعيًا ومذكرًا على السحور ومعه أخَوانِ صغيران يجاوبانه". وأضاف ابن جبير عن الفانوس:"ونظرا لترامي الدور بعيدًا عن الحرم المكي حيث يصعب وصول صوت المؤذن كانت تنصب في أعلى المئذنة خشبة طويلة في رأسها عمود كالذراع وفي طرفيه بكرتان صغيرتان يرفع عليهما قنديلان من الزجاج كبيران لا يزالان يوقدان مدة التسحير، فإذا قرب تبين خطا الفجر ووقع الإيذان بالقطع مرة بعد مرة، حط المؤذن المذكور القنديلين من أعلى الخشبة وبدأ بالأذان وثوب المؤذنون من كل ناحية بالأذان"وعندما يرى أهل مكة من سطوح ديارهم المرتفعة أنّ القنديلين قد أُطْفِئَا علموا أنّ الوقت قد انقطع"."

هورنيكا وسحور مكة

أما الرحالة الغربيون فوصفوا طقوس شهر رمضان حيث وصف الرحالة سنوك هورنيكا السحور في مكة بقوله:"بعد منتصف الليل بحوالي نصف ساعة وطوال أيام السنة يعتلي المؤذنون منارات الحرم السبع ويقومون .. ولمدة ساعتين بالتذكير". والتسحير الذي تكون أجزاء منه بالشعر وأخرى بالنثر المسجوع ثم ينهون ذلك بالآذان الأول للصلاة .. وبعد نصف ساعة من هذا الآذان يلقون بنبرات رنانة بالإنذار الأخير .. حتى لا تفاجئ خيوط الفجر الأولى للصائمين .. وهنا تتردد في أسماعهم صيغ كثيرة منها قولهم:

أيها النُوّام قوموا للفلاح ...

بعدها يسير المُسحرون في الشوارع وهم يقرعون طبولهم أمام كل منزل كبير حاثين ساكنيه بالصيغة التقليدية على الاستيقاظ من النوم: ويأتون في يوم العيد إلى أصحاب هذه المنازل كل على ظهر جحش ويتسلمون هدايا نقدية من بعضهم وعينية كبعض الحبوب من بعضهم الآخر. ويعطيهم الكثيرون هدية الإفطار -زكاة الفطر أو الفطرة- وهي كمية محدودة من وجبة مجهزة من دقيق القمح، وأضاف: إثر ذلك يمهد الترحيم لمدة عشر دقائق للأذان ويؤدي هذا الترحيم طوال أيام السنة وهو مثل التذكير، والتنبيه -الأذان الأول- علامة دقيقة والترحيم التضرع إلى رحمة الله:

"الصلاة يا عباد الله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد وله الملك يُحيي ويميت وهو حي لا يموت أبدا إليه المصير وهو على كل شيء قدير أفلحَ من يقول: لا إله إلا الله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله".

ويمر في الوقت نفسه بعض المتطوعين في شوارع مكة الرئيسة ويقفون عند ركن كل شارع يحثُّون النائمين على الاستيقاظ، منشدين بصوت عالٍ: الصلاة يا عباد الله، ويكتفي بعضهم بذلك بينما يستمر آخرون في إنشاد صيغ أخرى"."

الشعراء والفانوس

وقد حظي فانوس السحور بنصيب وافر من اهتمام الأدباء والشعراء الذين وجدوا فيه رمزا أثيرا محببا إلى النفس، فقد جلس بعض الأدباء بصحن جامع عمرو بن العاص في أوائل القرن السابع الهجري - الثالث عشر الميلادي- في إحدى ليالي رمضان وقد أوقد فانوس السحور، وقد حكى علي بن ظاهر الأزدي حكاية عن فانوس السحور فقال:

اجتمعنا ليلة في رمضان بالجامع فجلسنا بعد انقضاء الصلاة للحديث وقد أوقد فانوس السحور. فاقترح بعض الجالسين على الأديب أبي الحجاج يوسف بن علي أن يصنع في الفانوس طلبا لتعجيزه ولكنه أنشد قائلًا:

وَنَجْمٍ مِنَ الفَانُوسِ يُشْرِقُ ضَوْؤُهُ

ولكنّهُ دُوْنَ الكَواكِبِ لا يَسْرِي

وَلَمْ أرَ نَجْمًا قطُّ قَبْلَ طُلُوعِهِ

إذا غَابَ يَنْهِي الصَائِمِينَ عَنْ الفِطْرِ

فعارضة علي بن ظافر مؤكدًا أن هذا تعجبٌ لا يصح لأنه والحاضرين قد رأوا نجومًا لا تدخل تحت الحصر إذا غابت تنهي الصائمين عن الفطر وهي نجوم الصباح، وهنا شحذ أبو الحجاج فكره وأنشد:

هذا لِوَاءُ سَحُورٍ يُستضاءُ بهِ

وعَسْكرُ الشُّهبِ في الظّلماءِ جَرّارُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت