والصَّائِمُونَ جَمِيْعًا يَهتدُونَ بهِ
كأنَّهُ عَلَمٌ في رَأسِهِ نَارُ
ويقول: فلما أصبحنا سمع من كان غائبًا من أصحابنا في ليلتنا ما جرى، فصنع الرشيد أبو عبد الله محمد وأنشد:
أحْبِبْ بفانُوسٍ غَدا صَاعِدا
وضَوؤُهُ دَانٍ مِنَ العَيْنِ
كذلك أنشد القاضي أبو الحسن بن نبيه في فانوس السحور:
حبّذا في الصِّيامِ مِئْذَنَةُ الجا
مِعِ واللّيلُ مُسْبِلٌ أذيَالَهْ
خِلْتُها والفَانُوسُ إذ رَفَعَتْهُ
صَائِدا واقِفًا لِصَيْدِ غَزَالهْ
وقال أبو الفضل جعفر في الفانوس:
كأنّما الفَانُوسُ في
صَارِيَةٍ مااتّقَدَا
لِوَاءُ نَصْرٍ مُذهّبٍ
فِي رَأسِ رُمْحٍ عُقِدَا
حكاية الفانوس؟
مازالت بعض مدن العرب والمسلمين تحتفي بعادات وطقوس ليالي الصوم الكريم عبر الأيام الماضيات، حتى كدنا نتخيل مع احتفاء الأطفال بفوانيسهم وهم يطوّفون في الأزقة والأحياء لترديد الأغاني الرمضانية المتوارثة ويسيرون جماعات باتجاه أشعة الفوانيس المُوقدة والتي يضمحل وهجها وسناها مع نور المصابيح الكهربائية الحديثة المنتشرة في كل أرجاء العالم.
ولذا يعد فانوس رمضان ابتكارًا عرفه المسلمون نتيجة تباعد الأحياء عن المسجد الجامع، فإذا بعد الصوت من المنائر للتسحير، فإنّ الضوء الذي يشع من فانوس السحور ويعلق بأعالي المآذن هو الطريقة المثلى لإيقاظ الصائمين ودعوتهم للسحور ومن ثم إمساكهم عن الطعام، إذ كان الفانوس يضاء منذ دخول صلاة المغرب وقت الإفطار ويبقى حتى قبيل أذان الفجر عند الإمساك، فإذا ما أنزل الفانوس من المآذن فإنّ الصائمين يعرفون أن الصيام ليوم رمضاني جديد قد بدأ. وأجواء الشهر الكريم وعلى الرغم من اقتحام التقنية الحديثة لكل مناحي الحياة عندنا، فقد ظل- الفانوس- بملامحه وتكوينه والاحتفاء الشعبي به محافظًا على خصوصيته وتأثيره الجمالي في عموم الصائمين صغارًا وكبارًا.
ومع تطور مناحي الحياة الاجتماعية فقد اقتصر حمل الفانوس والابتهاج بمنظره على الأطفال، وأصبح عندهم اليوم وفي الكثير من أرجاء الوطن العربي بمثابة رمز تراثي، وتقليد رمضاني سنوي، ينتظرونه، ويتباهون بألوانه بين أقرانهم ويجوبون الشوارع والحارات والأزقة مرددين بعض الأغاني والأناشيد الرمضانية التي عرفت لدى آبائهم وأجدادهم مثل الأغنية المشهورة وحوي يا وحوي.
وإنّ تواصل هذه الأنغام والأناشيد الشعبية الرمضانية ذات الترديدات الحوارية الجماعية .. وكأنها المشهد والصورة في إطار طقس له معالمه ومفرداته، يؤكد أن جملة ما تتضمنه الأيام الرمضانية من مفردات يتسيدها المسحراتي وأناشيده وعلاقاته بالناس .. مازالت محفوظة في ذاكرة الأجيال باعتبارها جزءًا من تراثهم وموروثهم الديني والشعبي، وينسحب القول على المسحراتي نفسه، كإنسان وقيمة زمانية ومكانية، لم تتمكن الأيام وحتى زمن العولمة الجديد من محوها من الذاكرة الجمعية لأنّها ترتبط بالأصالة وتستمد ديمومتها من ثقافة إنسانية عريقة لها جذور راسخة في الوجدان العربي.
وتشهد الأسواق التقليدية في عدد من العواصم والمدن العربية حركة دؤوبة تتمثل في التفنن في تجهيز وصناعة نماذج متنوعة من هذا الفانوس، وإذا عدنا إلى الوراء قليلًا عرفنا بأن حكاية فانوس رمضان قد بدأت متزامنة مع دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى مصر، ففي اليوم السادس من شهر رمضان من عام 362هـ، استقبله الناس ليلًا على مشارف صحراء مدينة الجيزة وهم يحملون بأيديهم الفوانيس المزدانة لينيروا له الطريق حتى وصل إلى مقر الخلافة الذي أعدّه قائد جيوشه جوهر الصقلي، وما لبث الأطفال والصبية الذين حملوا الفوانيس مفتونين بنورها، حتى سارعوا يغنون الأغاني الدينية في الشوارع والطرقات لِنَيْلِ الهدايا.
ومن العادات التي ارتبطت بالفانوس آنذاك، تمثلت في عدم خروج المرأة ليلًا في شهر رمضان أو غيره من الشهور إلا ويتقدمها صبي يحمل في يده فانوسًا مضاءً ليعلم المارة أن إحدى السيدات تسير كي يفسحوا لها الطريق. ووصف المقريزي في خططه سوق الشماعين الذي كان يمتد من جامع الأقمر إلى سوق الدجاجين في القاهرة، وكانت تعلق فيه الفوانيس المضاءة ليلا من مختلف الألوان البهيجة، وكانت مشاهدته في الليل من الأشياء المحببة للصائمين. ووصف المقريزي فانوس رمضان بقوله:"كان البعض منه يزن عشرة أرطال 5،4كغم- تقريبا، وكان البعض الأخر من الضخامة بحيث ينقل على محجل إذا وصل وزنه إلى قنطار. وكانت منطقة تحت الربع منذ القدم وحتى اليوم المركز الرئيسي لصناعة فوانيس رمضان بالقاهرة."
المبحث الثاني
ليلة القدر المباركة