القدر سورة كريمة في كتاب الله العزيز، بيّن الله تعالى فيها للناس منزلتها وفضلها لمن يلتمسها في العشر الأواخر من شهر رمضان، لإحيائها بالذكر والعبادة وتلاوة كتابه المعجز، فهي خير من ألف ليلة قال تعالى في سورة القدر/1 - 5:"إنّا أنْزَلْنَاهُ في ليلةِ القَدْرِ، وَمَا أدْرَاَك مالَيْلَةُ القَدْرِ، لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ ألفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوْحُ فِيْها بإذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أمْرٍ سَلامٌ هِيَ حتَى مَطْلَعِ الفَجْرِ".
القدر في اللغة
والقَدر في لغتنا الكريمة: الغِنَى واليَسَار والقوّة والتضييق، ومن التضييق قوله تعالى:"وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُه". أي ضيَّق. وتقول في كلامك: قدر على عياله أي قتَرّ، وقدّر الشيء: قدّرَه من التقدير، وفي حديث النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم:"إذا غُمّ عليكم الهلال فأقْدِرُوا لهُ"، من باب ضَرَبَ ونَصَرَ: أي أتمُّوا ثلاثين.
من المعاني
وأخذ معنى القدر من تلك المعاني والاشتقاقات اللغوية، وتباينت معانيه عند العلماء، فقيل سميت القدر بذلك من: القدر والقضاء، لما رُويّ عن ابن عباس وغيره: أنّه -تعالى- يُقَدِّرُ فيها ويقضي ما يكون في تلك السنة، من مطر ورزق، وإحياء وإماتة إلى مثلها من السنة القابلة، قال تعالى:"يُفَرَّقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيْمٍ". ويقول الخليل بن أحمد الفراهيدي:"ليلة التضييق؛ لأنّ الأرض تضيق فيها الملائكة". وأما الأزهري فقال عن معنى ليلة القدر:"هي ليلة العظمة والشرف، من قول الناس: لفلان عند الأمير قَدَر: أي جاه ومنزلة، ويقال: قَدَرْتُ فلانًا أي عظَمته. وقال أبو بكر بن الورّاق:"سُميت بذلك، لأنّ من لم يكن ذا قدر وخطر، يصير في هذه الليلة ذا قدر وخطر؛ إذا أدركها وأحياها". وقيل في معناها أيضًا: لأنّه نزل فيها كتاب ذو قدر، بوساطة مَلَكٍ ذي قدر، على رسول ذي قدر، لأمة ذات قدر وذكر الآلوسي بأنّ المراد بإنزال القرآن فيها:"بدء نزوله"، كما ذهب إليه الإمام الشعبي فقيه العراق."
إحياء العشر الأواخر
ومن أجل هذا الفضل الإلهي لهذه الليلة المباركة والتي تُعدُّ تاج الليالي، فقد كان النبي الأكرم -عليه الصلاة والسلام- يستعد لها بالعبادة، ويهيئ الجوّ الروحي المناسب لنزول الملائكة والروح، وكان -صلى الله عليه وسلم- يستعد لإحياء ليلة القدر بالاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فيدخل المسجد قبل غروب شمس العشرين من شهر الصيام المبارك. فروى أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". وعن أنس- رضيّ الله عنه- قال: قال رسول الله- صلّى الله عليه وسلّم-:"إنّ هذا شهر قد حضركم، وفيه ليلة خيرٌ من ألفِ شهر، مَن حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلاّ محروم". وحثّ الرسول- صلّى الله عليه وسلّم- على طلب ليلة القدر المباركة، والعمل فيها، ورُويّ عن كعب أنّه قال:"اختار الله الساعات، فاختار ساعات أوقات الصلاة، واختار الأيام، فاختار يوم الجمعة، واختار الشهور، فاختار شهر رمضان، واختار الليالي؛ فاختار ليلة القدر، فهي أفضل ليلة في أفضل شهر".
من الليالي
كذلك قال قتادة عن ليلة القدر:"إنّ الله أصطفى صفايا من خلقه، واصطفى من الملائكة رُسُلًا، واصطفى من الناس رُسُلًا، واصطفى من الكلام ذكره- القرآن- واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحُرُم، واصطفى من الأيام الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظِّمُوا ما أعظم الله. فهي ليلة شرفٍ وسنَاءٍ، وتَجَلٍ ورضاءٍ، وسلامٍ وصفاءٍ، ونزول الملائكة الأكرمين، وروح القُدُس جبريل الأمين".
وحول العمل في العشر الأواخر من رمضان، عن السيدة عائشة أم المؤمنين- رضي الله عنها- قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله. وينزل جبريل- عليه السلام- في كوكبة من الملائكة يصلون ويسلمون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله تعالى. و أحبُ ما يدعو المسلم الصائم في ليلة القدر المباركة، ما قالته السيدة عائشة رضي الله عنها: قلت يا رسول الله، أرأيت أنْ لو علمت أي ليلة ليلة القدر ماذا أقول فيها؟ قال: قولي:"اللهم إنّك عفوٌ تُحِب العفوّ فأعْفُ عنِّي".
المبحث الثالث
الحَلْويات الرمضانية