يستعد المسلمون في المدن العربية والإسلامية بقدوم شهر رمضان الكريم، فيسارع الناس لشراء المواد الغذائية والحلوى لتحضير الأكلات الرمضانية الخاصة بهذه الأيام المباركة لشهر الصبر والتقوى والفلاح شهر المغفرة والمواساة. ومن معالم شهر رمضان إقبال الناس عامة على تناول الحلويات بأنواعها سواء المعروفة في المدن العربية كالبقلاوة والزلابية، أو الكنافة والقطايف، والزلابية، أو لُقيمات القاضي، وسواها من الحلويات الشعبية على مختلف تسمياتها الأخرى. وعُرِفَت الكنافة والقطايف منذ أمد بعيد فقيل إنها قدمت أول ما قدمت إلى الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك ليتسحرّ بها، وكان ذلك في أول المئة الثانية للهجرة وقد صنعها له طهاة مدينة حلب.
ولعلّ حبّ النّاس والصائمين للكنافة والقطايف حبٌّ توارثه الآباء عن الأجداد واحتلت مكانًا ملحوظًا وبارزًا في ديوان الشعر العربي، حيث كانت من أنواع الحلوى التي قلما تخلو منها موائد الصائمين في شهر رمضان أيام حكم الفاطميين لمصر. ولم يقف حديث الأدباء وقصائد الشعراء عن الكنافة عند حد وصف موائدها بل تعدى ذلك إلى الحب .. حب الكنافة والهيام بها والتغزل فيها حتى صار لها من العاشقين من خلد ذكرها وخلدته هي!
ابن الجزّار والكُنافة
فكما نعرف حبّ قيس لليلاه وتدلّه جميل ببثينة وغناء ابن زيدون بولاّدة .. فقد أحب أبو الحسين يحيى الجزار الكنافة حبًا مَلَكَ عليه بطنه وكل مشاعره، فتغزل فيها وهام بصوانيها. وكان الشاعر الجزّار لا ينتظر قدوم شهر الصيام ليصوم ويتعبد ولكن ليملأ الدنيا غزلًا بكنافته، فهي فتاة أحلامه والمعشوقة التي ترميه بالغدر وهو المعذب الذي يتعجب كيف ترميه وتتهمه بالهجران وهو الحافظ للودِّ، الأمين على العهد ويقول فيها:
وَمَالِي أرَى وَجْهَ الكُنافةِ مُغْضِبًا
ولولا رِضَاها لم أرِدْ رَمضَانَها
عَجِبتُ لها في هَجْرَها كيفَ أظهرَتْ
عليَّ جَفاءً صَدَّعنِّي جِفَانَها
تُرَى اتْهَمتَني بالقطايفِ فاغْتَدَتْ
تَصُدُُّ اعتقادًا أنّ قلبي خَانَها
وقد قَاطَعَتَنِي ما سَمِعْتُ كلامَها
لأنّ لِساني لم يُخاطِبْ لِسَانَها
ولما لم يجدْ الشاعر بُغيته في الكنافة فقد راح يبكي لياليها الحِسان فقال:
سَقَى اللهُ أكْنَافَ الكُنافةِ بالقَطْرِ
وَجَادَ عليها سُكَرًا دائمَ الدّرِّ
وتبًّا لأيامِ المُخَلَلِ إنّها
تَمُرُّ بلا نَفْعٍ وتُحْسَبُ من عُمْرِي
وَلِي زَوجةٌ إنْ تُشْتَرى قاهِريّةٌ
أقولُ لَها ما القَاهِريّةُ مِنْ مِصْرِ
كذلك طلب الإمام البوصيري كنافة من القاضي عماد الدين بن أُبَي، فكتب إليه رقعة فيها قوله:
ما أكَانا في ذا الزَّمانِ كُنَاَفه ... آهٍ ما بُعْدَها عَليّ مَسَافَه
قَالَ قَومٌ إنّ العِمادَ كريمٌ ... قُلتُ هذا عِندي حَديثُ خُرَافَه
أنَا ضَيفٌ لهُ وقد مُتُّ جُوعًا ... ليتَ شعري لِمْ لا تُعَدُّ الضِّيَافَه
وَهُو أنْ يُطعِمَ الطَّعامَ فَمَا ... يُطعمُ إلاّ لَسَمهةٍ أو مَخَافَه
وَهُو في الحَرِّ والخَريفِ وفي ... البيتِ بِجَمعِ الحُطامِ كالجَرافَه
فاعلِمُوه عنّي ولا تعتِبُوني ... أنّ عندي في الصَّوم بَعدَ الحَرَافَه
فَهُو إنْ لضمْ يخرُج قَليلًا إلى الحَا ... ئِطِ في لَيْلَتِي طَلَعْتُ القُرافَه
القطائف دِثار مخمل
كان للقطائف نصيب في الأدب العربي، فالقطائف في لسان العرب: طعام يُسوى من الدقيق المرق بالماء؛ شبهت بخمل القطيفة التي تُفرَش. وعند الجوهري في الصحاح: القطيفة: دِثار مخمل، والجمع قطائف وقطف أيضًا مثل صحيفة وصُحف، كأنّها جمع قطيف وصحيف، ومنه القطائف التي تؤكل. وقد أكثر الشعراء من وصف القطائف، يقول أبو هلال العسكري عنها:
كثيفةُ الحشوِّ ولكنَّها ... رَقِيقةُ الجِلدِ هَوَائيّه
رُشّت بِمَاءِ الوَرْدِ أعْطَافُها ... مَنشورةُ الطيِّ ومَطوِيّه
كأنّها مِنْ طِيبِ أنفاسِها ... قد سُرِقَت من نشرِ"ماويّه"
جَاءَت منِ السُكَّرِ فُضيّةً ... وهي من الأدْهانِ تِبريَّه
واستخدم الصفدي التضمين في قصيدته عن القطائف التي جاء فيها:
رَعَى اللهُ نُعْمَاكِ التي منْ أقلَها ... قطائفُ مِنْْ قَطْرِ النباتِ لها قَطْرُ
أمُدُّّ لها كَفِي فأهتزّ فرحةً ..."كما انتفضَ العُصفُورُ بلَلَهُ القَطْرُ"
وأنشد السرّاج الورّاق للقطائف فقال:
قَطائِفُكَ التي رَقّت جُسُوما ... لماضِغِها كما كثفت قُلُوبا
كغَيْمٍ رَقّ فيهٍ قَطْرٌ ... غَدَا القَفْرُ الجَدِيبُ بهِ خَصِيْبَا
ولبعض الشعراء في تفضيل القطائف على سائر الحُلْويات قوله عنها:
هاتِ القطائِفَ ها هُنا ... فالصَّومُ حَبَّبَها لَنَا
قَدْ كانَ يأكلُها أبي ... وأخي وأكرَهُها أنا
لكننِّي مُذْ ذُقتها ... ذُقتُ السَّعادة والهَنَا
وقد فضلّ الشاعر سعد الدين بن عربي القطائف على الكنافة بقوله:
قَالَ القَطَائِفُ للكُنَافَةِ ما ... بَالِي أرَاكِ رقيقةَ الجَسَدِ
أنا بالقُلُوبِ حلاوتِي حُشِيَتْ ... فتَقطَّعي مِنْ كَثْرَة الحَسَدِ