فهرس الكتاب
فقال رجل من الانصار: أنا يا رسول الله. فانطلقَ به إلى رحله، فقال لامرأته: أكرمي ضيف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
وفي رواية قال لامرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: علّليهم بشيء إذا أرادوا العشاء، فَنَوِّميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنّا نأكل. فقعدوا، وأكل الضيفُ، وباتا طاويين (13) .
فلما أصبح غدا على النبيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (( لقد عجب(14) الله من صنيعكما بضيفكما الليلة )) (15) .
يأتي فقير إلى مجلس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، سيّد المدينة وحاكمها، موقنًا أنه سيلقى طعامًا يملأ معدته، فقد قرَّحها جوعه الشديد وأضعفه، فما عاد يقوى على الحركة. أوَليس المالُ كلّه والطعام جلّه في بيوت المالكين وأصحاب القرار، ومَن بيدهم مقاليد الأمور؟!! لقد وقع إذًا على طِلبته، ووصل إلى مكان راحته. .
نعم، لقد وصل إلى طلبته، ومكان راحته، لكنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس همُّه الطعامُ ولا الشرابُ، ولم يكن يحفل بملذات الدنيا، فما كان يوقد في بيته نار ولا يُطهى طعام إلا في أوقات متفرّقة، وكان جلَّ طعامه الأسودان (( الماء والتمر ) )كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها (16) ، فليس غريبًا ـ إذًا ـ أن يرسل إلى زوجاته يسألهن ما يملأ معدة هذا الرجل الفقير فيأتيه الردُّ: لا والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا الماء.
وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين يعود من صلاة الفجر ويسأل زوجاته ما يأكله فلا يجد، ينوي الصيام. . . فإذا لم يكن في بيوت أزواجه ما يقري به ضيفه، التفت إلى أصحابه يسألهم مَن يُضيف ضيفَه؟ فيلبي أحد أصحابه من الأنصار فرحًا مسرورًا، فمن يحوز مثل هذه الغنيمة؟ إنه ضيف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ.