فهرس الكتاب
وينطلق الرجل بضيف رسول الله إلى بيته، ويسأل زوجته: ما عندنا من طعام؟ فتجيبه: ما عندنا من شيء سوى قوت الأطفال، فأنا وأنت نصبر على الجوع، أما الأطفال فلا يصبرون. فماذا يفعلان؟ لا بدَّ من قرى الضيف، ويتفتق ذهنه بخطة محبوكة، ويُعلَّلُ الأولاد ويمنَّوْن بطعام طيب إن صبروا، وتحاول الأم صرفهم لحظة وراء لحظة وبطرق مختلفة عن العشاء إلى أن يأخذهم سلطانُ النوم فيستسلموا له. . . وهذا ما كان، ويدخل الضيف إذ ذاك إلى البيتِ الذي أعدَّ فيه الطعام ليأكل، ولأنَّ الأكل قليل لا يكاد يكفي واحدًا فإن الضيف سيشعر بالخجل والإحراج. . . ولن يأكل إلا قليلًا إذ لا بدَّ أن يؤاكله أهل البيت، فماذا يفعل الزوجان كي لا يشعر أن الطعام قليل. .؟! فليطفأ ِ السراج، ولا بأس أن يعتذر الزوجان بأي عذر لانطفائه، ومن ثمَّ يجلس الرجل وامرأته يوهمان الضيف أنهما ياكلان، فينشرح صدره، ويملأ معدته. . . وهكذا كان. . . لقد بات أولادهما جائعين وباتا بعد ذلك جائعَين مثلهم، وأكل الضيف، وشبع، ونام قرير العين.
ويذهب الضائف والضيف كلاهما إلى صلاة الفجر حيث ينظر الرسول الكريم إلى الأنصاري نظرة إعجاب وتقدير. . . إعجاب بحسن تصرفه وزوجته، وتقدير لكرمهما.
أما الزوجة فقد ضبطت عاطفتها ولم ترفض عرض زوجها أن ينام أولادهما دون عشاء، إنما كانت له خير عون في مهمّته لتحفظ ماء وجهه، وتعينه على حسن ضيافة الرجل الفقير ضيفِ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهكذا تكون المرأة الصالحة، والزوجة الأصيلة، لقد قاما بعمل جليل أرضى الله سبحانه وتعالى، فأنزل ملكًا يخبر نبيّه صلوات الله عليه وسلامه برضا الملك الجليل، وهو أعظم مكانة للإنسان أن يرضى الله سبحانه عنه؟
وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: