وإذا كان الطعام والشراب لذة،فإنما جعلها الله سبحانه فيها لإرواء الميل الغريزي لتناولهما بغاية الحفاظ على الحياة واستمرارها،كما أن التلذذ بالطعام ينبه أعمال الهضم الغريزية وإفراز العصارات الهاضمة حتى يتم التمثل بشكل جيد.ومن الخطأ الفادح أن يجعل الإنسان من اللذة غاية في طعامه وشرابه مما يجعله يسرف في استدعائها وينحرف في طريق إروائها وهذا ليس من صفات المؤمن في شيء.وقد أكد القرآن الكريم أن الوقوف عند التلذذ بالطعام والشراب والتمتع بهما إنما هو من صفات الكافرين الجاحدين (9) ،وذلك مصداق قوله تعالى:"والذين كفروا يتمتعون و يأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم"_الأحقاف_20.
وتؤكد السنة المطهرة هذا المعنى وتنهى عن الإسراف في الطعام،وأن على المسلم أن يكتفي منه بما يقيم الأود ويحفظ الصحة والقوة من أجل السعي على الرزق والتقوي به على عبادة الله رب العالمين.فقد روى البخاري أن رجلًا كان يأكل كثيرًا فأسلم فكان يأكل قليلًا،فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -فقال:"المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء".وقد ذكر ابن الأثير (10) تعليقًا على هذا الحديث:هو تمثيل لرضى المؤمن بالقليل اليسير من الدنيا وحرص الكافر على الكثير منها،ثم قال:والأوجه أن يكون هذا تحضيضًا للمؤمن على قلة الأكل وتحاشي ما يجره الشبع من قسوة القلب وطاعة الشهوة.
من هنا نفهم دعاء النبي- صلى الله عليه وسلم:"اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا"رواه الشيخان. كما حذر سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -من النهم والبطنة فقال:"إياكم والبطنة في الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسم مورثة للسقم،مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد وأبعد عن السرف وإن الله تعالى ليبغض الحَبْرَ السمين وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه" (1) .
(1) رواه السيوطي في الدر المنثور وأبو نعيم في الحلية.