فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 121

فهنا وصف لحكم المشركين بأن لله تعالى البنات ولهم البنون ، وهذا الحكم على ما فيه من انتفاءٍ للعدل والغرابة فإنه يحوي غرابة أكبر من خلال معرفتنا أن العرب أو قسمًا منهم ما كانوا يرضون لأنفسهم ما رضوه لربهم وهو (البنات) { وإذا بُشرَ أحدهم بالأنثى ظلَّ وجههُ مسودًا وهو كظيم يتوارى من القومِ من سوء ما بُشر به أيمسكه على هونٍ أم يدسهُ في التراب } [النحل:58-59] لذلك قال تعالى: { ألكم الذكر وله الأنثى . تلك إذًا قسمة ضيزى } [النجم:21- 22]

فالحكم ليس جائرًا وحسب، وإنما هو غريب في العقل والمنطق - أن ينسب العبد مالا يرضى لنفسه إلى ربه - لذلك استعملت (ضيزى ) والتي تعني القسمة الجائرة أو غير العادلة، ولم تستعمل هاتان الكلمتان ، لهذه الزيادة في إيحاء ( ضيزى ) فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملائمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، والعرب يعرفون هذا الضرب في الكلام وله نظائر في لغتهم، وكم من لفظةٍ غريبةٍ عندهم لا تحسن إلا في موضعها ولا يكون حسنها على غرابتها إلا أنها تؤكد المعنى الذي سيقت إليه بلفظها.

ج - الإيحاء النابع من دقة التصوير الحركي:

المفردة القرآنية قد تختار لتصوير الحركة بدقة كما في قوله تعالى: { فراغ إلى أهله } [الذاريات:26]

"فراغ"هنا أعطت للنص إيحاءًا وبعدًا جديدين، ذلك أنها فضلًا عن تصويرها ذهاب إبراهيم عليه السلام صدرت حركته بدقة ما بعدها نظير من غير أن يكون ذلك لمجرد مُتعةٍ أدبية في التصوير، وإنما هي الدقة مقرونةً بالصدق الإخباري مع تحقيق ملحظٍ اجتماعي هنا.

ومعنى"فراغ"ذهب إليهم في خفيةٍ من ضيوفه، ومن أدب المضيف أن يُخفي أمره وأن يبادره بالقِرى من غير أن يشعر به الضيف حذرًا من أن يكفه ويعذره" (1) ."

(1) الكشاف ، 4 / 18 ، وينظر: معنى ( راغ ) في معجم ألفاظ القرآن، 1 / 527 ، والإنتصاف ، 4 / 18 بديع القرآن ، 21 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت