فهرس الكتاب
والجواب عن هذا أن مخالفة القرآن لنظم الشعر مخالفة ظاهرة وواضحة لا تخفى على أحدٍ، فالقائلون بأنه شعر كان قولهم كفرًا وعنادًا محضًا ، فناسب ختمه بقوله: { قليلًا ما تؤمنون } .
أما مخالفته لنظم الكهان وألفاظ السجع فليست بمثل ذلك الوضوح فيحتاج فيها إلى تدبرٍ وتذكرٍ، لأن كلًا منهما نثر فليست مخالفته لهما في وضوحها لكل أحدٍ كمخالفته للشعر .. فحُسن ختمة بقوله: { قليلًا ما تذكرون } .
المبحث الثالث: اختيار المفردة لاعتماد الأسلوب القرآني الحسية في الوصف:
عند التأمل في هذه السور يتبين للمتأمل أن الأسلوب القرآني فيها كان يعتمد إلى الوصف الحسي الذي تمرُّ عليه النفس دون أن تتنبه إلى أن هذا مستعار أو أنه عمومًا أسلوب مجازي خرج عن المعنى المباشر إلى معنى ثانوي .
بل إنّ المُلاحظ في الأسلوب القرآني ما يمكن أن يُسمى"التشريك في الوصف"بين المعنى الحسي والمعنوي الذي يصور به، إذ تتماهى اللفظة ما بين معناها المباشر والمعنى الذي تخرج إليه بدلالة السياق من غير أن يكون هناك ما يرجح أحد الاستعمالين على الآخر .
فمثلًا قوله تعالى: { قال أوسطهم ألم أقل لكم لو لا تسبحون } [القلم:28] فلم أجد من فسره بغير أعدلهم وأفضلهم.
فإذا كان الأمر هكذا فَلِمَ عُبِّرَ عن هذا المعنى بلفظ (أوسطهم ) ولم يقل (أفضلهم) أو (أعدلهم) إنها الحسية في الوصف التي تلصق المعنى بذهن المتلقي مباشرة دون أن يحس بانتقالٍ على مستوى السرد هنا من المعاني المباشرة إلى المعاني الثانية في اللفظة، لأنهما لا يتقاطعان في أي وجه داخل السياق القرآني .
ومثل هذا قوله تعالى: { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } [القمر:46] فـ"المرارة"لا يوصف بها إلا المذوقات والمطعومات.
ولكن الساعة لما كانت مكروهة عند مستحقي العقاب حَسنَ وصفها بما يوصف به الشيء المكروه المذاق.
وكذلك قوله تعالى: { فَصبَّ عليهم ربُك سوط عذاب } [الفجر:13]