فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 121

وقال تعالى: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا19} لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا {20} [نوح] فقدم الفجاج على السبل في الآية الأولى، وأخرها عنها في آية نوح، وذلك لأن الفج في الأصل هو الطريق في الجبل أو بين الجبلين، فلما تقدم في آية الأنبياء ذكر الرواسي وهي الجبال قدم الفجاج لذلك، بخلاف آية نوح فإنه لم يرد فيها ذكر للجبال فأخرها.

قال تعالى: { وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ157} وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ {158} [آل عمران] لما ذكر في الآية الأولى"في سبيل الله"وهو الجهاد قدم القتل إذ هو المناسب لأن الجهاد مظنة القتل، ولما لم يقل في الثانية:"في سبيل الله"قدم الموت على القتل، لأنه الحالة الطبيعية في غير الجهاد (1) .

وشبيه بهذا أن تجتمع صفتان كل واحدة تقتضي التقديم لكن تكون إحداهما أهم في مكان فتقدم، وإن أخرت في غيره من ذلك:

قال تعالى: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } تقديم الأموال هنا لكونها سببا للأولاد، لأن الإنسان يشرع في النكاح عند قدرته على مؤنه، والنكاح سبب للتناسل، وقدم النساء على البنين وأخر المال عنهما في قوله تعالى: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ } [آل عمران:14] لأن الآية مصدرة بالحب والنساء والبنين أقعد في المحبة الجبلية.

قدمت السماء على الأرض لأنها أكمل شرفا، وأخرت في قوله تعالى: { َمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء } لتقدم: { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } (2) .

المبحث الرابع

التشبيه

(1) التعبير القرآني62 وما بعدها.

(2) روض البيان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت