فهرس الكتاب
من أمثلته:
قولهم:"رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي"ونحو ذلك، وكل هذا يظن الظان أنه زيادة لا حاجة إليها، ويقول: إن الرؤية لا تكون إلا بالعين، والقبض لا يكون إلا باليدِ، والوطء لا يكون إلا بالقدم، وليس الأمر كذلك، بل هذا يقال في كل شيء يعظم مناله، ويعز الوصول إليه، فيؤكد الأمر فيه على هذا الوجه دلالة على نيله والحصول عليه، كقول قوله تعالى: { ذلكم قولكم بأفواهكم } فإن هذا القول لما كان فيه افتراء عظم الله تعالى على قائله، ألا ترى إلى قوله تعالى في قصة الإفك: { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ } [النور:15] فصرح في هذه الآية بما أشرت إليه من تعظيم الأمر المقول.
وفي مساق الآية المشار إليها جاء قوله تعالى: { مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ } [الأحزاب:4]
ألا ترى أن مساق الكلام أن الإنسان يقول لزوجته: أنت علي كظهر أمي، ويقول لمملوكه: يا بني، فضرب الله لذلك مثالا فقال: كيف تكون الزوجة أما؟ وكيف يكون المملوك ابنا؟ والجمع بين الزوجية والأمومة وبين العبودية والبنوة في حالة واحدة كالجمع بين القلبين في الجوف،وهذا تعظيم لما قالوه وإنكار له.
ولما كان الكلام في حال الإنكار والتعظيم أتى بذكر الجوف وإلا فقد علم أن القلب لا يكون إلا في الجوف، والتمثيل يصح بقوله: { ما جعل الله لرجل من قلبين } وهو تام، لكن في ذكر الجوف فائدتان:
إحداهما: ما سبق الإشارة إليها.