وبذلك يتبين الفرق بين الغناء والمعازف ، وأنه لا وجه لمن جمع بينهما عند الكلام على حكمهما ، بل كل منهما له حكم عند انفراده ، وكذا عند اجتماعه بالآخر .
وعلى هذا درج كثير من أئمة الفقه المتقدمين ، بخلاف بعض من تأخر فإن الكثير منهم يخلط بينهما عند ذكر الخلاف والحكم عليهما .
وممن فرق بين المسألتين عند الكلام عليهما الأمام القرطبي - رحمه الله - في كتاب كشف القناع - فقد قال:
المسألة الأولى: في بيان الغناء وحكمه ، ثم عرفه رحمه الله بما تقدم .
ثم قال:
إذا فهمت هذا فاعلم أن ما يطلق عليه غناء علي ضربين:
أحدهما: ضرب جرت عادة الناس باستعماله عند معاونتهم أعمالهم وحملهم أثقالهم ، وقطع مفاوز أسفارهم ، يسلون بذلك نفوسهم ، وينشَطُون به على مشقات أعمالهم ، ويستعينون بذلك على شاق أشغالهم كحداء الأعراب بإبلهم ، وغناء النساء لتسكين صغارهن ، ولعب الجواري بلعبهن ، وما شاكل ذلك .
فهذا النحو إذا سلم المغني به من ذكر الفواحش ، والمحرمات ، كوصف الخمور والقينات فلا شك في جوازه ، ولا يختلف فيه ....
والضرب الثاني: غناء ينتحله المغنون العارفون بصنعة الغناء ، المختارون لمارق من غزل الشعر ، الملحنون له بالتلحينات الأنيقة المقطوعة على النغمات الرقيقة التي تهيج النفوس ، وتطربها كحمنات الكؤوس ، فهذا هو الغناء المختلف فيه على أقوال ثلاثة ...
ثم قال:
المسألة الرابعة في حكم سماع آلات اللهو:
أما المزامير والأوتار والكوبة وهو الطبل طويل ضيق الوسط ، ذو رأسين يضرب به المخانيث ، فلا يختلف في تحريم سماعه ، ولم أسمع من أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك . ا.هـ
المبحث الثاني: حكم الغناء .