الصفحة 31 من 51

فمن فهم من هذا الحديث التخيير قال: أي أخرج من هذا أجزأ عنه، وهو قول الحنفية، وأحمد في رواية، ومن فهم منه أن اختلاف المخرج ليس سببه الإباحة وإنما سببه اعتبار قوت المخرج أو قوت غالب البلد قال: الواجب قوت المخرج أو قوت غالب البلد [1] ، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية.

وهناك سبب آخر للاختلاف هو:

عدم صحة بعض الأحاديث التي تضمنت بعض هذه الأصناف، كالأقط فإنه لم يصح عند أبي حنيفة بينما صح حديثه عند غيره.

هذه هي آراء الأئمة الأربعة في الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر، وهذا هو سبب اختلافهم فيما اختلفوا فيه.

أما ابن حزم الظاهري فقد اقتصر على: التمر، والشعير فقط كصنفين يخرج منهما زكاة الفطر ولا ثالث لهما، مستدلا على مذهبه بحديث عبد الله بن ثعلبة بن أبي صغير عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فأمر بصدقة الفطر صاع عن تمر أو صاع من شعير عن كل واحد [2] .

كما استدل أيضًا بآثار عن ابن عمرو، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة، وسالم بن عبد الله من أنهم جميعًا كانوا يخرجون التمر في صدقة الفطر رغم أنهم كانوا يقتاتون البر، ولما سئل ابن عمر عن ذلك قال: إن أصحابي سلكوا طريقًا فأنا أحب أن أسلكه [3] .

وابن حزم -كما هي عادته- قد أغلظ القول على مخالفيه في هذه المسألة، ورماهم بما ليس فيهم وبالغ في الاستدلال بهذه الآثار حتى جعله إجماعا أو كاد حيث يقول: (وأنهم ليدعون الإجماع بأقل من هذا إذا وجدوه) [4] .

ولقد علق فضيلة الشيخ أحمد شاكر على رأي ابن حزم هذا تعليقًا شافيًا آثرت أن أذكره بنصه فقال: (من تأمل في طريق الأحاديث الواردة في زكاة الفطر وفقه معناها مع اختلاف ألفاظها عن الصحابة رضي الله عنهم علم أن ابن حزم لا حجة له في الاقتصار على إخراج التمر والشعير) .

وهذا معاوية بحضرة الصحابة رضي الله عنهم رأى مدين من سمراء الشام بدل صاع من شعير أو غيره، ولم ينكر عليه ذلك أحد -أي إخراج القمح موضع الشعير- وإنما أنكر أبو سعيد المقدار فرأى إخراج صاع من قمح.

وابن عمر إنما كان يخرج في خاصة نفسه ما كان يخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر على من أخرج غير ذلك، ولو رأى عمل الناس باطلًا وهم الصحابة والتابعون لأنكره أشد الإنكار، وقد كان رضي الله عنه يتشدد في أشياء لا على سبيل التشريع بل على سبيل الحرص على الاتباع فقط، كما كان ينزل في مواضع نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ير أحد من المسلمين ذلك واجبًا، والزكاة إنما جعلت لإغناء الفقراء عن الطواف يوم العيد، والأغنياء يتمتعون بمالهم وعيالهم، ولينظر امرؤ لنفسه هل يرى أنه يغني الفقير عن الطواف إذا أعطاه صاع تمر أو صاع شعير في بلد مثل القاهرة في مثل هذه الأيام؟ وماذا يفعل بهما الفقير إلا أن يطوف ليجد من يشتريها ببخس من القيمة ليبتاع لنفسه ولأولاده ما يتقوتون به؟ [5] .

(1) بداية المجتهد: جـ 1، ص 377.

(2) المحلى: جـ 6، ص 122.

(3) المحلى: المرجع السابق ص 127.

(4) المرجع السابق: ص 128.

(5) انظر هامش المحلى: جـ 6، ص 131 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت