فهرس الكتاب
كما أن المرجع لها في موازينها أيضًا إنما هو لما تعارف عليه أهل مكة، حيث قال: «المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة» .
والحكمة من اعتبار كيل المدينة وميزان مكة هو: أن المدنيين كانوا زراعا، وحاجتهم إلى المكاييل أكثر، فكانت عندهم أدق وأضبط، بخلاف المكيين الذين كانوا يعملون بالتجارة وحاجتهم إلى الموازيين أكثر، فكانت عندهم أدق وأضبط.
مقدار الصاع بالأرطال:
اختلف العراقيون والحجازيون في مقدار الصاع، فعند أبي حنيفة، ومحمد من أصحابه، ومن وافقهما من فقهاء العراق: أن الصاع ثمانية أرطال بالعراقي [1] .
ودليلهم: أن هذا صاع عمر بن الخطاب رضي الله عنه [2] كما أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ بالمد، والمد رطلان، ويغتسل بالصاع، والصاع ثمانية أرطال، وهذا نص [3] .
أما الحجازيون: مالك، والشافعي، وأحمد فالصاع عندهم مقداره خمسة أرطال وثلث بالعراقي. وهذا قول أبي يوسف من الحنفية، وابن حزم الظاهري.
ودليلهم: أن هذا قدر صاع المدينة وقد توارثوه عن سلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء في الحديث أن المكيال مكيالهم.
وقد ذكر الشوكاني: عن إسحاق بن سليمان الرازي أنه قال:(قلت لمالك بن أنس: أبا عبد الله كم قدر صاع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: خمسة أرطال وثلث بالعراقي. أنا حزرته [4] ، فقلت: أبا عبد الله خالفت شيخ القوم. قال: من هو؟ قلت: أبو حنيفة يقول: ثمانية أرطال، فغضب غضبًا شديدًا ثم قال لجلسائه: يا فلان هات صاع جدك، يا فلان هات صاع عمك، يا فلان هات صاع جدتك.
قال إسحاق: فاجتمعت آصع فقال: ما تحفظون في هذا؟ فقال: هذا حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال آخر: حدثني أبي عن أمه أنها أدت بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال مالك: أنا حزرت هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثا)رواه الدارقطني، والبيهقي بسند جيد [5] .
ورجع أبو يوسف من الحنفية عن قول أبي حنيفة إلى قول أهل المدينة، حيث وقف على أمداد أهلها ورأى بنفسه أنها خمسة أرطال وثلث [6] .
(1) فتح القدير: جـ 2، ص 296 وما بعدها.
(2) بدائع الصنائع: جـ 2، ص 73.
(3) ذكر أبو عبيد في كتاب الأموال الأحاديث المتعلقة بوضوئه وغسله عليه الصلاة والسلام بالمد والصاع وقال: إن هذه الأحاديث جاءت بألفاظ يتوهم السامع أنها مختلفة المعاني لاختلاف لفظها وليست كذلك، ولكن المعنى فيها كلها إنما يدور على وقتين -أي حالتين- من الماء أقصاها ثمانية أرطال وأدناهما صاع، وهو خمسة أرطال وثلث وسائر هذه الأحاديث إنما ترجع إلى أحدهما لا تخلو من ذلك لمن عرفه، فكان غسله على قدر ما يحضره من الماء. انظر الأموال: ص 620.
(4) حزرته -بفتح الحاء والزاي وسكون الراء -أي: قدرته.
(5) نيل الأوطار: جـ 4، ص 184 وما بعدها.
(6) قصة إسحاق الرازي مع الإمام مالك قد تكررت مع أبي يوسف وأهل المدينة، فقد روى البيهقي عن الحسن بن الوليد أنه قال: قدم علينا أبو يوسف من الحج فأتيناه، فقال: إني أريد أن أفتح عليكم بابا من العلم همني ففضحت عنه، فقدمت المدينة فسألت عن الصاع، فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ قالوا: نأتيك بالحجة غدًا، فلما أصبحت أتى نحو خمسين شيخا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله، فنظرت فإذا هي سواء. قال: فعايرته فإذا هو خمسة أرطال وثلث ينقصان يسيرًا، فرأيت أمرًا قويًا فقد تركت قول أبي حنيفة في الصاع وأخذت بقول أهل المدينة. انظر فتح القدير: جـ 2، ص 297.