الصفحة 36 من 51

وإذا كان الإمام مالك رضي الله عنه قد قدر صاع النبي صلى الله عليه وسلم فوجده خمسة أرطال وثلث كما في قصة إسحاق بن سليمان الرازي، فإننا نجد الإمام أحمد بعده يقول: الصاع وزنته فوجدته خمسة أرطال وثلثي رطل حنطة، فقال حنبل: قال أحمد: أخذت الصاع من أبي النضر.

وقال أبو النضر: أخذته من ابن أبي ذئب، وقال: هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم الذي يعرف في المدينة.

قال أبو عبد الله: فأخذنا العدس فعيرنا به وهو أصلح ما يكال به؛ لأنه لا يتجافى في مواضعه، فكلنا به ووزناه فإذا هو خمسة أرطال وثلث، وهذا أصح ما وقفنا عليه وما تبين لنا من صاع النبي صلى الله عليه وسلم [1] .

التوفيق بين قول العراقيين والحجازيين:

لقد حاول بعض الفقهاء التوفيق بين قول الحنفية وغيرهم وذلك على النحو التالي:

1 -ذهب بعض الحنفية إلى أن أبا يوسف لما حرر الصاع وجده خمسة أرطال وثلث برطل أهل المدينة، وإذا قابلتها بثمانية أرطال بالبغدادي وجدتهما سواء.

قال ابن الهمام: وهو أشبه؛ لأن محمدًا رحمه الله لم يذكر في المسألة خلاف أبي يوسف. ولو كان لذكره على المعتاد وهو أعرف بمذهبه [2] .

وعلى هذا فإن الصاع واحد عند العراقيين والجحازيين، والأرطال مختلفة ولكن رد هذا التخريج بأن أبا يوسف قال في كتاب الخراج [3] : الوسق ستون صاعًا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، فالخمسة الأوسق ثلاثمائة صاع، والصاع خمسة أرطال وثلث.

ولا يفهم من هذه الأرطال إلا أنها البغدادية؛ لأن الكتاب قد ألف بناء على طلب الخليفة الرشيد وعاصمته بغداد، وأبو يوسف بها، فكيف يقدر في بغداد الصاع بأرطال المدينة؟ [4] .

2 -كما حاول ابن تيمية التوفيق بين القولين بطريقة أخرى وهي: أنه كان هناك صاعان: صاع للطعام والحبوب، وصاع للمياه والطهارة. فصاع الطعام خمسة أرطال وثلث، وصاع الطهارة ثمانية أرطال. كما جاء الأثر في كل واحد منهما فصاع الزكوات، والكفارات، وصدقة الفطر هو ثلثا صاع الغسل، وهذا قول طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم ممن جمع بين الأخبار المأثورة في هذا الباب [5] .

وعلى هذا: تكون الأرطال واحدة عند العراقيين والحجازيين، والصيعان مختلفة عكس التوفيق الأول.

3 -وفي العصر الحديث بحث علي مبارك موضوع الصاع معتمدًا على النتائج التي وصل إليها بعض الباحثين من الأوربيين وانتهى إلى أن الصاع الشرعي الذي عنته الأحاديث النبوية خمسة أرطال وثلث، كما هو رأي فقهاء الحجاز [6] .

ولكنه ساق تعليلا آخر للخلاف السابق بما يفيد أن الخلاف صوري لا حقيقي حيث قال: (والفرق الناتج بين علماء العراق وغيرهم من علماء العرب نشأ من أن علماء العراق يعتبرون كمية الماء المظروف في المد أو في الصاع. وغيرهم اعتبر كمية الحب الذي يستوعبها هذان الكيلان) ثم قال: (وبالتأمل في ذلك يعلم أن خمسة أرطال وثلث رطل توافق ما يستوعب من الحب، وثمانية أرطال توافق ما يستوعب من الماء للغسل. والثمانية هي عدد تقريبي لما ذكر بعضهم من أن الصاع أقل من ثمانية أرطال

(1) المغني لابن قدامة: جـ 3، ص 11، 82.

(2) شرح فتح القدير: جـ 2، ص 298.

(3) الخراج لأبي يوسف: ص 53.

(4) الدكتور القرضاوي فقه الزكاة: ص 368.

(5) المرجع السابق نقلًا عن ابن تيمية القواعد النورانية.

(6) فقه الزكاة: ص 369 نقلًا عن الخراج في الدولة الإسلامية للدكتور/ ضياء الدين الريس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت