الصفحة 37 من 51

وأكثر من سبعة وهو صحيح؛ لأنك إن أجريت الحساب باعتبار أن النسبة بين ثقل الحب وثقل الماء كالنسبة بين 3: 4 نجد أن خمسة أرطال وثلث من حب القمح تعادل أكثر من سبعة أرطال من الماء وأقل من ثمانية).

ومعنى هذا: أن الأرطال واحدة، وأن الصاع واحد لدى الفريقين وإنما اختلفت زاويتا النظر لدى كل منهما.

فأهل العراق -أو الأحناف- اعتبروا سعة الصاع بالماء. وبقية العلماء غيرهم اعتبروا سعته بحسب الحب [1] .

لكن لو كان الخلاف على هذه الصورة فلماذا غضب الإمام مالك غضبًا شديدًا؟ ولماذا عدل أبو يوسف عن رأيه وخالف رأي شيخه وصاحبه أبي حنيفة [2] ؟

الراجع من القولين:

والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور -وهم أهل الحجاز ومن وافقهم- من أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، ولا ينبغي أن يبقى شك حول ذلك بعد أن قامت الأدلة على صحة هذا التقدير من أقوال أكثر العلماء والمجتهدين، وفي طليعة الأدلة ذلك الخبر الذي ورد عن الإمام مالك بأنه قام بمعايرة صيعان أهل المدينة التي كانت باقية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بحضور الخليفة الرشيد وبعد مناقشة جرت بينه وبين القاضي أبي يوسف، فكان من جراء هذا الإثبات بالتجربة العملية المشاهدة أن اقتنع أبو يوسف وعدل عن قوله إلى قول مالك وأهل المدينة، فمن أعلم من الإمام مالك بالتقاليد المأثورة للمدينة؟ وأي شهادة أكثر من شهادة الفقيه المجتهد أبي يوسف قاضي الخلافة ومستشارها الأول؟ ثم إن هذا التحديد للصاع هو الذي يتفق مع كل النسب التي حددت للوحدات الأخرى وتبدو هذه النسب به معقولة مجارية لطبائع الأشياء، بخلاف ما إذا فرض التحديد الآخر فيلحظ حينئذ تفارق كبير وتجاوز لدائرة المعقول، وعلى أية حال، فإن المد قد عرف أيضًا بأنه: ملء كفي الإنسان المعتدل، والصاع بأنه: أربع حفنات، فالذي يتصور ألا تتجاوز الكمية الأولى رطلا وثلثا، والثانية مثل ذلك أربع مرات [3] .

قال ابن حزم الظاهري: هذا مشهور بالمدينة منقول، نقل الكانة صغيرهم وكبيرهم، صالحهم وطالحهم، وعالمهم وجاهلهم، وحرائرهم وإمائهم، كما نقل أهل مكة موضع الصفا والمروة والاعتراض على أهل المدينة في صاعهم ومدهم كالمعترض على أهل مكة في موضع الصفا والمروة ولا فرق، وكمن يعترض على أهل المدينة في القبر، والمنبر، والبقيع، وهذا خروج على الديانة والمعقول [4] .

مقدار الصاع بالوزن:

عرفنا أن الصاع خمسة أرطال وثلث بالعراقي، وأن المد رطل وثلث على الرأي الراجح لدى جمهور الفقهاء، وعليه فإنه يمكن معرفة مقدار الصاع والمد بالأرطال والدراهم المصرية، وكذا الجرامات.

ولقد قام نجم الدين بن الرفعة بهذه المهمة حيث بين في كتابه"الإيضاح والتبيان"أنه عاير كيلا على مد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشعير الصعيدي المغربل النقي -وإن كان فيه حبات يسيرة من القمح تكميل هذا المد- ثم وزنه فكان وزنه 3/ 1 173 درهمًا مصريا. ولما كان المد يساوي رطل وثلث بالبغدادي وثلث الرطل يساوي 43.25 درهمًا.

إذن الرطل البغدادي = 173.33 - 43.25 = 130 درهمًا مصريا، والدرهم المصري = 3.12 جرام.

إذن الرطل البغدادي = 130× 3.12 = 405.6 جرام.

(1) فقد الزكاة: المرجع السابق ص 370.

(2) المرجع السابق: ص 370 - 371 نقلًا عن الخراج في الدولة الإسلامية للدكتور/ ضياء الدين الريس.

(3) فقه الزكاة نقلًا عن الخراج للدكتور/ ضياء الدين الريس.

(4) المحلى: جـ 5، ص 246.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت