الصفحة 41 من 51

المناقشة

مناقشة أدلة الجمهور:

ناقش الحنفية استدلال الجمهور بحديث أبي سعيد وأن الواجب صاع من جميع الأصناف بما في ذلك البر؛ لأن لفظ الطعام الوارد به يشمل البر.

فهذا غير مسلم حيث قال ابن المنذر: ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد «صاعًا من طعام» حجة لمن قال صاعًا من حنطة، وهذا غلط منه. وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره.

وورد من طريق حفص بن ميسرة عند البخاري وغيره أن أبا سعيد قال: «كنا نخرج صاعًا من طعام وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر» .

وأخرج الطحاوي نحوه من طريق أخرى عن عياض وقال فيه: «ولا نخرج غيره» [1] .

كما أخرج ابن خزيمة عن ابن عمر أنه قال: «لم تكن الصدقة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة» . ولمسلم من وجه آخر عن أبي سعيد: «كنا نخرج من ثلاثة أصناف صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من شعير» وكأنه سكت عن الزبيب في هذه الرواية لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة.

وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة [2] .

قال الشوكاني: ويمكن أن يقال أن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص بالأحاديث التي تدل على أن الواجب نصف صاع من قمح [3] .

مناقشة أدلة الحنفية:

ناقش الجمهور استدلال الحنفية بالأحاديث السابق ذكرها والتي تدل على أن الواجب نصف صاع من بر، بأن هذه الأحاديث ضعيفة وضعفها بين، أما حديث معاوية فهو قول صحابي، وقد خالفه أبو سعيد الخدري وغيره ممن هو أطول منه صحبة وأعلم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم.

وإذا اختلفت الصحابة لم يكن قول بعضهم بأولى من بعض فنرجع إلى دليل آخر.

قال الجمهور: وجدنا ظاهر الأحاديث والقياس متفقا على اشتراط الصاع من الحنطة كغيرها فوجب اعتماده. وقد صرح معاوية بأنه رأى رآه لا أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع كثرتهم في تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لذكره كما جرى لهم في غير هذه القصة [4] .

الترجيح

وبعد ذكر أقوال الفقهاء وأدلتهم ثم مناقشتها فإنه يتضح لنا: أن قول الجمهور بأن الواجب صاع من جميع الأصناف هو الراجح؛ لأن العمل به أخذ بالأحوط وخروجا من دائرة الخلاف، كما أن فيه أيضًا البعد عن الريبة وهذا هو الواجب على المسلم

(1) فتح الباري: جـ 3، ص 373 - نيل الأوطار: جـ 4 ص 183.

(2) فتح الباري: المرجع السابق.

(3) نيل الأوطار: المرجع السابق.

(4) النووي على شرح مسلم: جـ 7، ص 61 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت