الصفحة 48 من 51

الترجيح

وبعد أن ذكر أقوال الفقهاء وأدلتهم في هذه المسألة فإنه يظهر لي -والله أعلم- أن القول بصرفها على الأصناف الثمانية -إيجابا أو جوازا- لا يحقق هدفها وهو كونها طعمة للمساكين، وإغناء لهم عن السؤال يوم العيد.

كما أن القول بوجوب تخصيصها على الفقراء -قول مالك- فيه المنع من صرفها عند الضرورة والحاجة في مصارف أخرى، ولهذا أميل إلى القول القائل بتقديم الفقراء على غيرهم إلا لحاجة ومصلحة إسلامية معتبرة؛ لأنه جمع لكل الأقوال في المسألة ومحققا لمصلحة الفقراء خاصة ولجميع المسلمين عامة.

يقول الدكتور القرضاوي: ومع وجاهة هذا القول -قول مالك- وتمشية مع طبيعة زكاة الفطر وهدفها الأساسي فأرى ألا نسد الباب بالكلية، ونمنع جواز استخدامها في المصارف الأخرى عند الحاجة.

والأحاديث التي ذكروها تدل على أن المقصود الأهم منها إغناء الفقراء بها في ذلك اليوم خاصة، فيجب تقديمهم على غيرهم إن وجدوا، وهذا لا يمنع أن تصرف في المصارف الأخرى حسب الحاجة والمصلحة كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في زكاة الأموال أنها تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، ولم يمنع ذلك أن تصرف في الجهات الأخرى التي أرشدت إليها الآية الكريمة، وبهذا يتضح أن القول الذي نختاره هو تقديم الفقراء على غيرهم إلا لحاجة أو مصلحة إسلامية معتبرة [1] .

هل يجوز دفع الفطرة لمسكين واحد؟

لا خلاف بين الفقهاء في جواز إعطاء الجماعة ما يلزم الواحد؛ لأنه صرف صدقته إلى مستحقها فبرئ منها، كما لو دفعها إلى واحد، وإن كان بعض الفقهاء قد كره ذلك؛ لأنه لا يتحقق بها الإغناء المأمور به في الحديث [2] .

وأما إعطاء الواحد صدقة الجماعة ففيه خلاف بين الفقهاء فالجمهور -أبو حنيفة، ومالك، وأحمد- يجوز عندهم أن يدفع الجماعة فطرتهم إلى مسكين واحد؛ لأنها صدقة لغير معين فجاز صرفها إلى واحد كالتطوع؛ ولأن الواجب زكاة، فجاز جمعها وتفريقها [3] إلا أن بعض الفقهاء كره ذلك أيضًا [4] .

وذهب الشافعية إلى أنه لا يجوز إعطاء الواحد صدقة الجماعة، وهو مروي عن عكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز؛ لأن الآية نصت على وجوب صرفها إلى الأصناف الثمانية فلا يجوز صرفها إلى البعض منهم، وقد تأكد هذا المعنى بقوله: (فريضة من الله) ولا بد من كل صنف ثلاثة؛ لأن أقل الجمع ثلاثة [5] .

هل يجوز إعطاء زكاة الفطر لأهل الذمة؟

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء -المالكية، والشافعية، والحنابلة، والليث، وأبو ثور- [6] إلى أنه لا يجوز إعطاء زكاة الفطر لأهل الذمة؛ لأن الإسلام شرط في المؤدى إليه فهي كزكاة المال لا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه.

القول الثاني: ذهب أبو حنيفة إلى جواز دفع صدقة الفطر إلى أهل الذمة؛ لأن الإسلام ليس شرطًا في المؤدى إليه [7] .

(1) فقه الزكاة: جـ 2، ص 958.

(2) حاشية الدسوقي: جـ 1، ص 508.

(3) المغني: جـ 3، ص 99 - بدائع الصنائع: جـ 2، ص 75.

(4) حاشية الدسوقي: المرجع السابق.

(5) انظر كتابنا في نور الفرقان: ص 130 ط أولى.

(6) المغني: جـ 2، ص 98.

(7) بدائع الصنائع: جـ 2، ص 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت