فهرس الكتاب
ثم نتساءل: ألا يحتاج الرجل الشهواني إلى خلو البال من أية مشاغل أو هموم أو أعباء ليمارس الجماع بإفراط كما يزعمون؟!! فهل يظن أولئك الحمقى أن أعباء الرسالة العظمى والجهاد المتواصل ليل نهار- لإبلاغ الدعوة المباركة إلى الناس كافة عربا وعجما- تترك لصاحبها مجالا للإكثار من الجماع على النحو الذي تتخيّله عقولهم المريضة؟!! ألا تتطلب الشهوة توافر الطعام الجيد والفراش الناعم المريح ليقدر الزوج على الجماع الكثير؟ فهل كان ذلك متاحا لسيد الخلق؟!
ألم تجمع كل كتب السيرة والتاريخ - بما فيها تلك التي كتبها المنصفون من غير المسلمين- أنه عليه الصلاة والسلام لم يشبع من خبز الشعير حتى لقي ربه؟!!
أين الاستكثار من الشهوات في حياة زاهد متقشف - بإجماع المؤرخين - كان أهله لا يوقدون نارا لطهي الطعام في بيته الشهر تلو الشهر، ولم يكن لهم من قوت معظم الوقت إلا الأسودان التمر والماء كما روت سيدتنا عائشة رضي الله عنها؟!
وكانت حجراته مبنيّة من الطين وسقوفها من - سعف - جريد النخيل وأبوابها من الشعر - وبر الإبل أو شعر الماعز - وكان عليه السلام ينام على حصير متواضع ترك أثرا في خده الشريف حتى بكى عمر رضي الله عنه- إشفاقا عليه - عندما رآه على هذا الحال؟!! فهل هذا شأن من تشغله الشهوات وحطام الحياة الفانية؟!! ثم من أين له بالوقت اللازم للجماع المتواصل -كما يزعمون - وهو الذي كان مشغولا دائما بأعباء الرسالة نهارا، مع الصيام أكثر الأيام، وليلا بالقيام لرب الأنام، إلى أن تتورم - منه ومن زوجاته - الأقدام، عليه أزكى الصلاة و أعطر السلام؟!!
وأقوى دليل على ما نقول أن أمهات المؤمنين غلبهن الطابع البشرى ذات مرة - بعد أن اشتدّ عليهن الحرمان والفقر والتقشف - فطالبنه صلى الله عليه وسلم بالنفقة، فاعتزلهن عليه السلام شهرا، ونزل فيهن قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) سورة الأحزاب الآية 28، فأخبرهن صلى الله عليه وسلم بما نزل، وخيّرهن بين الطلاق مع كل التكريم و إعطائهن نفقة المتعة و العدة أو البقاء معه على ما هو فيه من زهد وتقشف وحياة فقيرة قاسية، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. (44)
وقد أشرنا من قبل إلى أن الزواج هو شريعة كل أنبياء الله (حتى من لم يتزوج منهم مثل عيسى ويحيى عليهما السلام) وأنه لا يوجد نص في الأناجيل الأربعة يحظر تعدد الزوجات (45) .
ومن استعراض تراجم أمهات المؤمنين في المصادر المختلفة نلاحظ أن إحدى عشر منهن كن من الأرامل!! وواحدة كانت مطلّقة- زينب بنت جحش - وواحدة كانت جارية قبل اقترانها بسيد البشر - مارية - ولم تكن بينهن"بكرا"سوى أمنا عائشة التي كانت تفخر على الأخريات بذلك كما هو معلوم من كتب السيرة.
فهل يتزوج صاحب الشهوات عشرا من الأرامل ومطلّقة وجارية، ويترك مئات الألوف من العذارى في جزيرة العرب وما حولها، وقد كانت جميع القبائل تعرض عليه بناتها - حرصا على شرف مصاهرته - كما ثبت من كل مراجع السيرة؟!!