الصفحة 37 من 61

ولو أنه كان ذلك الشخص الذي يزعمون لسارع بانتهاز فرصة ما عرضه المشركون عليه في مكة من قبل، وهو أن يجعلوه ملكا عليهم، و يجمعوا له من الأموال والنساء ما يشاء حتى يكون أغناهم وأكثرهم نساء بشرط أن يتخلى عن دعوته إلى الله. لكنه عليه السلام رفض تماما لأنه صاحب رسالة وليس طالب دنيا. .

ولنبدأ الآن بأولى زوجات المصطفى (- صلى الله عليه وسلم -) ، وهى سيدتنا خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها وأرضاها - فقد تزوّجت في الجاهلية من هند بن النباش التميمى وكنيته أبو هالة .. وبعد موته تزوّجت عتيق بن عابد المخزومى (46) .. ثم مات عنها عتيق .. وكانت من أرفع بيوت قريش وأوسطها نسبا وحسبا. وكان لها مال ترسل رجالا من قومها يتاجرون لها فيه .. ولما سمعت بأمانة محمد - عليه الصلاة و السلام - أرسلت إليه ليتاجر لها في مالها، على أن تعطيه ضعف ما كانت تعطى غيره من الأجر.

ورحل (- صلى الله عليه وسلم -) بمالها مع غلامها ميسرة إلى الشام، فباع واشترى وعاد إلى مكة بأضعاف ما كانت تربح من قبل .. وأعطته السيدة خديجة ضعف الأجر المتفق عليه .. وحكى لها ميسرة ما كان من معجزاته عليه السلام خلال الرحلة: فقد أظلّته غمامة، وأخبر أحد الرهبان ميسرة بأن رفيقه محمدا سيكون النبي الخاتم الذي بشّرت به كتب السابقين، فازدادت إعجابا به، وأرسلت إليه صديقتها نفيسة بنت منية تعرض عليه الزواج من خديجة التي كان عمرها في ذلك الوقت أربعين سنة .. فوافق عليه السلام، وكان عمره وقت أن تزوجها خمسا وعشرين سنة.

وولدت له السيدة خديجة كل أولاده وبناته باستثناء إبراهيم ولده من مارية القبطية (الجارية التي أهداها المقوقس إلى النبي) ولم يتزوج (- صلى الله عليه وسلم -) بأخرى حتى ماتت السيدة خديجة عن خمس وستين سنة، بينما كان عليه السلام قد تخطى الخمسين سنة، ولم يتزوج بعدها إلى أن بلغ السنة الثالثة أو الرابعة والخمسين من عمره الشريف.

والآن نتساءل: إذا كان نبي الرحمة (- صلى الله عليه وسلم -) قد عاش بلا زواج حتى سن الخامسة والعشرين .. ولم يكن أهل مكة يعرفون عنه إلا كل نبل وشرف و خير، وكانوا يلقبونه بالصادق الأمين .. وكانت طهارته وعفته مضرب الأمثال - باعتراف أعتي المشركين وأشدهم عداوة له وحقدا عليه .. وإذا كان تزوج بعد ذلك من السيدة خديجة وهى أرملة أكبر منه بخمس عشرة سنة، وظل مكتفيا بها زوجة وحيدة حتى ماتت بعد أن تجاوزت الخامسة والستين، وتجاوز هو الثالثة والخمسين من عمره الشريف .. فأين ما يزعمون من حبه للشهوات واستكثاره من النساء؟! وهل يصبر الرجل الشهواني على هذا الوضع مع أرملة عجوز، ويظل بلا زواج من أخرى حتى تفنى سنوات شبابه على هذا النحو؟!!

لقد كان عليه السلام في تلك الفترة في ريعان شبابه، ولم يكن قد انشغل بعد بأعباء الدعوة المباركة وتبعاتها الثقيلة، ولو كان - كما يزعم أعداء الإسلام - من ذوى الشهوة الطاغية لتزوج من شاء من النساء، وقد كان تعدد الزوجات والجواري شائعا في الجاهلية بلا قيد كما ذكرنا (47) .وما كان ذلك عيبا ولا محظورا عند أحد. فلماذا لم يفعل (- صلى الله عليه وسلم -) ؟! أليس هذا دليلا على أنه (- صلى الله عليه وسلم -) قد عدّد زوجاته فيما بعد لأسباب أخرى أسمى وأنبل من مجرد إشباع الشهوة، رغم أن هذا الإشباع بالزواج ليس عيبا ولا شائنا عند الجميع؟! و هناك نقطة أخرى. لقد كان عليه السلام يذكر السيدة خديجة بكل الخير والوفاء بعد موتها .. وحتى بعد أن صار له نسوة غيرها .. كان يغضب إذا أساءت عائشة- أحب زوجاته - إلى ذكراها العطرة. ويذكر عليه السلام في كل مناسبة معروف خديجة وفضلها عليه وعلى الدعوة الغراء، ولم ينسها رغم أنها كانت عجوزا، ورزق بعدها بزوجات أصغر سنّا، وربما أكثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت