فهرس الكتاب
جمالا .. مثل هذا الزوج هل يمكن أن يقال عنه إنه يضع الشهوة الجنسية في المقام الأول؟!! و هل يصدق مثل هذا الظن المريض بمن قال فيه ربه:) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (سورة القلم الآية 4.
وكذلك شاء الله تعالى أن تتعلم البشرية الكثير من هذه الزيجة المباركة. فقد أرست مبدأ إباحة زواج الرجل بمن هي أكبر منه سنّا، و زواج المرأة بمن هو أصغر منها سنّا، وكذلك عدم الاعتداد بالتفاوت بين الجانبين في الثراء المادي، وكانت سعادتهما معا دليلا واضحا على أن العبرة في تحقيق السعادة الزوجية هي بالصلاح والمودة والتراحم والتفاهم والانسجام والتعاون المثمر لخير الجميع.، ولا قيمة للمال أو عمر أحد الطرفين أو أي عامل دنيوي آخر. وكذلك علّمت أمنا خديجة النساء وأوليائهن جميعا أنه لا عيب ولا مكروه في أن تخطب المرأة الرجل الصالح لنفسها ولو لم يفاتحها هو أولا، وذلك بأن ترسل إليه من تثق بأمانته في نقل الرغبة في الزواج كما فعلت هي. كما تعلّم الجميع -جيلا وراء جيل- أنه لا غضاضة في أن يقيم الرجل مع زوجته في بيتها إن كان ذلك بالتراضي.
وأهم من كل ذلك أنها كانت أول من أسلم لله الواحد الأحد، و علّمت نساء العالمين كيف تساند المرأة الصالحة زوجها العظيم صاحب الرسالة بنفسها ومالها و أهلها، وكيف تثبّت فؤاده و تهدّاء من روعه، وتعينه على التفرّغ لرسالته العظمى، ولا تشغله بتوافه الأمور المنزلية أو المعيشية عما هو أسمى و أبقى وأنفع للبشرية كلها. وقد اشترت رضي الله عنها عشرات من العبيد الذين كانوا يقاسون الأهوال من سادتهم طواغيت الشرك عقابا لهم على دخولهم في الإسلام، وأعتقتهم لتنقذهم من هذا البلاء، وأنفقت كل ثروتها في سبيل الله .. ولهذا أبلغ سيدنا جبريل النبي- صلى الله عليه وسلم - السلام من الله عليها، وبشّرها بالجنّة رضي الله عنها وأرضاها. (48) .
ونأتي إلى ظروف اقترانه (- صلى الله عليه وسلم -) بثانية زوجاته السيدة سودة بنت زمعة - رضي الله عنها - فقد كانت متزوجة في الجاهلية بالسكران بن عمرو بن عبد شمس، وهو ابن عمها، وأسلما بمكة وخرجا مهاجرين إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية .. ثم قدما من الحبشة، ومات السكران بمكة، وترملت زوجته السيدة سودة، فلما انقضت عدتها أرسل لها النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فخطبها وتزوّجها بمكة، وهاجرت معه إلى المدينة.
وكانت - رضي الله عنها - قد كبرت سنها، وبعد فترة من زواج الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بها تنازلت عن ليلتها للسيدة عائشة، وقالت كما جاء في إحدى الروايات: يا رسول الله، والله ما بي حب الرجال - تقصد أنها مسنّة وليست بها حاجة إلى الرجال - ولكني أرجو أن أبعث في أزواجك يوم القيامة. وقبل منها النبي (- صلى الله عليه وسلم -) تنازلها للسيدة عائشة، وأبقى عليها زوجة في عصمته حتى موته (- صلى الله عليه وسلم -) (49) ..
فهل يكون اقترانه - عليه الصلاة والسلام - بعجوز أخرى دليلا على ما يذهب إليه أعداء الله ورسوله من أن تعدد زوجاته (- صلى الله عليه وسلم -) كان للشهوة أو حب النساء؟!! أم أنها مواساة منه - عليه السلام - لأرملة مسلمة لم يعد لها عائل بعد موت رجلها المسلم السابق إلى الإسلام ثم المهاجر و المجاهد- وليس لها مال أو شباب أو جمال يدفع غيره (- صلى الله عليه وسلم -) للزواج منها؟!! أليس من المروءة والنبل أن يكرم صاحب الخلق العظيم تلك المؤمنة السابقة إلى الإسلام والهجرة إلى الحبشة بعد أن تبدّل بها الحال ومضى عنها الزوج والمال و الشباب والجمال؟! والله إن مثل هذه الزيجة التي لا يطمع فيها أحد هى بعض أعبائه عليه السلام، وواجب ثقيل ألزم به نفسه الشريفة النبيلة (- صلى الله عليه وسلم -) ومن سواه يواسى الأرملة الفقيرة الحزينة؟ من سواه يجبر المكسور، ويفك الأسير، ويعين على شدائد الدهر، وهو الذي أرسله ربه رحمة للعالمين؟!!