فهرس الكتاب
و في ذات الوقت يعلّم صلى الله عليه وسلم البشرية كلها كيف تكون رعاية الضعفاء في المجتمع بكفالة الأرامل، والزواج بهن هو أكرم وأطهر السبل لرعايتهن وأطفالهن.
وأما السيدة عائشة بنت الصديق أبى بكر - رضي الله عنهما - فهي الزوجة الثالثة لنبي الهدى (- صلى الله عليه وسلم -) .. ومن الطبيعي أن يرتبط الداعية بالرجال الذين يقوم على أكتافهم البناء العظيم، وتنتشر الدعوة بهم، ومن خلالهم إلى سائر إرجاء المعمورة .. وخير الروابط بين النبي وكبار أصحابه هو الرباط المقدس (الزواج) .. ولهذا تزوّج عليه السلام من السيدة عائشة، دعما للأخوة الخالدة مع الصدّيق- ثاني اثنين في الغار- وكانت صغيرة السن. وهنا أيضا تتعلّم البشرية درسا أخر هو إباحة زواج الرجل بمن هي أصغر منه سنّا بكثير، و إباحة زواج المرأة بمن يكبرها سنّا أيضا، فالعبرة في تحقيق السعادة الزوجية ليست بالسن، كما ذكرنا عند الكلام على زواجه عليه السلام من السيدة خديجة رضي الله عنها. وكذلك جعل الله تعالى في السيدة عائشة خيرا كثيرا للبشرية كلها، إذ كانت أحد أعظم أوعية العلم النبوي الشريف، وروت أكثر من ألفى حديث، وكان أكابر الصحابة يتعلمون منها، وبسببها نزلت آيات كثيرة تتلى إلى يوم القيامة بما فيها من أحكام عظيمة.
كما تزوج أيضا لذات السبب-تقوية الروابط مع أصحابه- من السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما .. وهناك سبب ثان لزواجه (- صلى الله عليه وسلم -) من السيدة حفصة، فقد كانت متزوّجة قبله من خنيس بن حذافة السهمي الذي أسلم معها وهاجر بها إلى المدينة فمات عنها (عند قدوم النبي(- صلى الله عليه وسلم -) من غزوة أحد) متأثرا بإصابته في الغزوة (50) وعندما انقضت عدّتها عرض عمر على أبى بكر الصديق أن يزوّجه ابنته حفصة، فسكت أبو بكر، مما أغضب عمر - رضي الله عن الجميع - وكان عمر قد عرضها من قبل على عثمان بن عفان فلم يوافق كذلك، مما أسخط الفاروق عليه كما سخط على صاحبه، فجاء عمر يشكوهما إلى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ..
وطيّب (- صلى الله عليه وسلم -) خاطره وتزوّجها تكريما لعمر، كما كرّم أبا بكر من قبل وتزوج بابنته عائشة. وكان في الزيجة تكريم أيضا للزوج الشهيد خنيس رضي الله عنه برعاية أرملته من بعده.
وكان الباعث لأبى بكر على عدم قبول الزواج من حفصة أنه سمع النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يذكرها لنفسه، وما كان الصدّيق ليفشى سر رسول الله، أو يتزوّج بمن عزم (- صلى الله عليه وسلم -) على الزواج منها ..
ومن المعروف أن السيدة حفصة - رضي الله عنها - لم تكن جميلة مثل عائشة أو صفيّة أو جويرية، لكنها كانت صوّامة قوّامة (51) تحب الله ورسوله (52)
فهل يكون الزواج في حالة السيدة عائشة والسيدة حفصة استكثارا من النساء، أو جريا وراء الشهوات؟!! أم هي ضرورات الدعوة، وجبر الخاطر، وتوكيد الروابط بين المصطفى (- صلى الله عليه وسلم -) وكبار رجال الدعوة الوليدة
والرأفة بزوجة شهيد - مثل حفصة - لم يكن لها من الجمال أو المال ما يغرى غيره عليه السلام بالزواج منها؟!!
إنه الرحمة المهداة، والنعمة المسداة - عليه الصلاة والسلام ..