الصفحة 41 من 61

"أبو سفيان"أحد زعماء قريش يضطهد الرسول وأصحابه أشد الاضطهاد، فلو رجعت أم حبيبة لتعرضت للفتنة في دينها بدورها .. وكان لا بد من رعايتها وتكريمها وتعويضها عن الزوج الذي هلك بالحبشة ..

وهكذا أرسل جابر المكسورين، ومؤنس المستوحشين إلى النجاشي ملك الحبشة - وكان قد أسلم - طالبا منه أن يعقد له على أم حبيبة .. وبالفعل زوّجه النجاشي إياها، ودفع النجاشي مهرها من ماله الخاص تكريما للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أرسلها إليه بالمدينة بعد هجرته (- صلى الله عليه وسلم -) معزّزة مكرّمة .. ولما بلغ أبا سفيان خبر زواج النبي (- صلى الله عليه وسلم -) من ابنته أم حبيبة شعر بالسعادة، وقال عن زوج ابنته مبتهجا -رغم أنه كان ما يزال عدوا له ولدينه-: (( هو الفحل لا يقرع أنفه ) ) (54) .. أي أن مثل النبي (- صلى الله عليه وسلم -) لا يرد صهره، فهو كفء كريم تتشرّف كل قبيلة بمصاهرته وتزويجه. قال أبو سفيان ذلك مع أنه كان ما يزال مشركا عدوا للإسلام، لأنه لم يستطع أن يخفى سروره، ولم يخدع نفسه كأب تزوجت ابنته بأعظم وأشرف الرجال .. ومن المؤكد أن هذه المصاهرة قد أرضت غريزة"حب الفخر"في نفس زعيم المشركين، ولعبت دورا فعّالا في تخفيف عدائه للإسلام والمسلمين تمهيدا لدخوله هو نفسه في الإسلام بعدها بقليل. وشاء الله جلت قدرته أن تدور الأيام، ويأتي أبو سفيان إلى المدينة محاولا إثناء النبي (- صلى الله عليه وسلم -) عن غزو مكة بعد أن نقض المشركون عهودهم، واعتدوا على حلفائه من قبيلة خزاعة، وقتلوهم في الحرم في الشهر الحرام. ولم يجد أبو سفيان ملجأ بعد أن رفض كبار الصحابة التوسط له عند النبي (- صلى الله عليه وسلم -) سوى بيت ابنته. وفوجئ أبو سفيان بابنته تطوى عنه الفراش في ضيق واشمئزاز .. فسألها: والله يا بنية ما أدرى هل رغبت بالفراش عنى أم رغبت بي عنه؟!! فردت عليه بحسم: (( بل هو فراش رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) وأنت رجل مشرك ))..

يا الله .. إنها العقيدة الراسخة كالجبال في قلب زوجة المصطفى (- صلى الله عليه وسلم -) ، تواجه بها أباها الذي خرجت من صلبه .. وذلك هو الإيمان الحق الذي يجعل الله ورسوله أحب إلى المسلم الصادق من أمه وأبيه وابنه وصاحبته وأخيه.

هل كان المطلوب من الرسول أن يترك مثل هذه السيدة العظيمة للضياع بين زوج هالك مرتدّ وأب كافر ألدّ؟!! ومن سواه (- صلى الله عليه وسلم -) أولى بأن يكرم مثواها، ويجزيها على ثباتها وصبرها وجهادها في سبيل عقيدتها ورسالتها؟!! ومن يكون مناسبا لابنة سيد قريش سوى سيد الأولين والآخرين؟!!

ونأتي إلى قصة زواجه (- صلى الله عليه وسلم -) من السيدة زينب بنت جحش الأسدية - رضي الله عنها - وهى ابنة عمته أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف .. أي أنها من أعرق وأشرف بيوت قريش وأرفعها حسبا و نسبا .. وكانت - فيما يقال - فائقة الجمال ..

وعندما أرسل النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يخطبها ظن أهلها أنه يريدها لنفسه، ثم فوجئوا به يطلبها لزيد بن حارثة .. كان زيد - رضي الله عنه - قد تعرّض للخطف ثم الرق في الجاهلية، وانتهي به المطاف عند الصادق الأمين محمد بن عبد الله (- صلى الله عليه وسلم -) الذي أكرم مثواه. وبلغ من تأثير عطفه وحنانه على زيد أن فضّله زيد على أبيه وعمه (لما خيّره بين البقاء معه أو اللحاق بأبيه وعمه عندما عثرا عليه، وجاءا في طلبه) .. وهنا أشهدهم النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أن زيدا ابنه يرث كلاهما الأخر فرضي أبوه وعمه بذلك.

وعلى الرغم من أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) أعتق زيدا وتبنّاه، ثم أبطل الإسلام التبني فاسترد زيد اسمه الأول (وحريته من قبل) ، فإن آل جحش رفضوا أن يزوّجوه ابنتهم وهى من فتيات قريش المعدودات اللاتي يتنافس خيرة شباب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت