فهرس الكتاب
العرب للفوز بهن .. ولكن الله تعالى شاء أن يمضى هذا الزواج لحكمة كبرى، بل لعدة مقاصد: أولها أن يهدم التفاخر بالأنساب، ويثبّت القاعدة الخالدة الراشدة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وليس أغناكم أو أعرقكم نسبا أو أفضلكم حسبا. ونزل قوله تعالى) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُّبِينا ً (.(55) وفور نزول هذه الآية الكريمة عرف عبد الله بن جحش وأخته زينب - رضي الله عنهما - أنه لا محيد لهما عن طاعة الله ورسوله، فقال عبد الله لابن خاله عليه السلام: مرني بما شئت، فتزوّجها (- صلى الله عليه وسلم -) زيد
وعلى الرغم من إتمام الزواج ظلت زينب تستعصي على زيد، وتتفاخر عليه بحسبها ونسبها، حتى ضاق - رضي الله عنه - بها ذرعا، وذهب إلى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يستأذنه في تطليقها، لاستحالة العشرة بينهما، فأمره النبي أن يتق الله ويمسك عليه زوجه فلا يطلقها ..
في ذلك الوقت أطلع الله تعالى رسوله على ما سوف يحدث، وهو أن (زيد) سيطلّق (زينب) ، ثم يزوّجها الله رسوله الأمين، ليهدم بذلك قاعدة التبني التي سادت في الجاهلية، إذ الأعدل و الأصوب هو أن ينسب كل ابن لأبيه الحقيقي، وليس لذلك الذي تبنّاه .. وإذا كان الإسلام يحرّم إلى الأبد زواج الأب من امرأة ابنه، فالأمر ليس كذلك في حالة الابن بالتبني، إذ هو ليس ابنا حقيقيا، وما ينبغي أن يكون.
ونزل قول الله تعالى: { ... وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ... } الآية 37 من سورة الأحزاب.
وأفضل تفسير لهذه الآية الكريمة وأقربه إلى ما يليق بمقام النبوة الشريف النبيل، وما هو مقطوع به من عصمة الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ما قاله الإمام على بن الحسين بن على بن أبى طالب الملقب يزين العابدين - رضي الله عنه- الذي روى: (( أن النبي(- صلى الله عليه وسلم -) كان قد أوحى إليه أن زيدا سوف يطلق زينب، وأن الله سيزوّجها رسوله. فلما شكا زيد للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) ما يلقى من أذى زوجته، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) على جهة الأدب والوصية: (( اتق الله وأمسك عليك زوجك ) ).. وهو (- صلى الله عليه وسلم -) يعلم أنه سيفارقها، ثم يتزوجها هو من بعده، وهذا (العلم) هو ما أخفاه (- صلى الله عليه وسلم -) في نفسه، ولم يرد أن يأمره بطلاقها .. فعاتبه الله تعالى على هذا القدر من خشية الناس في شئ قد أباحه الله له، وقوله لزيد (( أمسك عليك زوجك ) )، مع علمه بأنه سيطلّقها، وأعلمه سبحانه أن الله أحق بالخشية في كل حال. قال علماؤنا رحمهم الله: (( وهذا القول أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسّرين و العلماء الراسخين، مثل الزهري وبكر بن علاء القشيرى وأبو بكر بن العربي وغيرهم(56) ويعلق الإمام القرطبى على تلك الرواية الشاذة التي تفسّر قوله تعالى للرسول: (وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) . بأنه (- صلى الله عليه وسلم -) أخفى في نفسه هوى لزينب، قائلا"هذا القول يصدر عن جاهل بعصمة النبي (- صلى الله عليه وسلم -) عن مثل هذا" (56) .
ورفض الإمام ابن كثير - رضي الله عنه - كل رواية أخرى لا تناسب عصمة الرسول و مقام النبوة الرفيع، إذ هي من الموضوعات ومما لا يصح سنده ولا معناه. (57)