فهرس الكتاب
وقال الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول:"على بن الحسين جاء بهذا (التفسير السليم للآية) من خزانة العلم جوهرة من الجواهر، ودرا من الدرر، فإنه إنما عتب الله عليه أنه أعلمه أن هذه ستكون من أزواجه، فكيف قال بعد ذلك لزيد (أمسك عليك زوجك) ، وأخذته خشية الناس أن يقولوا: تزوّج امرأة ابنه، و (والله أحق أن تخشاه) .. وقال النحاس: قال بعض العلماء: ليس هذا خطيئة من النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ، لأنه لم يؤمر بالتوبة أو بالاستغفار منه، وقد يكون الشئ ليس خطيئة، ولكن غيره أحسن منه، وقد أخفى الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ذلك في نفسه خشية أن يفتن الناس. (58) .والخلاصة أنه عليه والسلام تزوّج السيدة زينب بنت جحش بعد طلاقها من زيد بن حارثة بأمر من الله الذي تولى سبحانه تزويجها له مباشرة، ليهدم بذلك قاعدة التبني إلى الأبد، وحتى لا يكون هناك حرج على الآباء في الزواج من مطلقات الأدعياء، لأنهم ليسوا أبناءهم .. وقد كانت السيدة زينب ابنة عمة الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، وربيت تحت رعايته، وكان يعلم جمالها الذى يزعمون، ولو كان له فيها مأرب لتزوجها منذ البداية، ولم يزوّجها بنفسه لزيد من قبل .. ومن أقوى ما قيل في تفنيد مزاعم المنافقين حول هذه الآية ما قاله فضيلة الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - قال: (( إنهم يقولون أن الذي أخفاه النبي في نفسه و خشي فيه الناس هو ميله إلى زينب. أي أن الله - بزعمهم - يعتب عليه عدم التصريح بهذا الميل!! ونقول: هل الأصل الأخلاقي أن الرجل إذا أحب امرأة أن يشهّر بها بين الناس، وخاصة إذا كان ذا عاطفة منحرفة جعلته يحب امرأة رجل آخر؟!! هل يلوم الله رجلا لأنه أحب امرأة آخر فكتم هذا الحب في نفسه؟! وهل كان يرفع درجته لو أنه صاغ فيها قصائد غزل؟!! هذا والله هو السفه، وهذا السفه هو ما يفسّر به بعض المغفلين القرآن!!."
إن الله لا يعاتب أحدا على كتمان حب طائش .. والذي أخفاه النبي (- صلى الله عليه وسلم -) في نفسه هو تضرره من هذا الزواج المفروض، وتراخيه في تنفيذ أمر الله به، وخوفه من كلام الناس عندما يجدون نظام التبني - كما ألفوه - قد انهار
وقد أفهم الله رسوله أن أمره سبحانه لا يجوز أن يعطّله توهم شئ، وأنه - إزاء التكليف الأعلى - لا مفر له من السمع والطاعة، شأن من سبقه من المرسلين، وأعقب الآية السابعة والثلاثين هذه بآية أخرى تؤكد هذا:
)مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (( 59)
ويضيف الشيخ الغزالي:"إنك حين تثبّت قلب رجل تقول له: لا تخش إلا الله، لا تقول له ذلك وهو بصدد ارتكاب معصية .. إنما تقول له ذلك وهو يبدأ القيام بعمل فاضل كبير يخالف التقاليد الموروثة، وظاهر في هذه الآيات كلها أن الله تعالى لا يجرئ نبيه على حب امرأة، إنما يجرئه على إبطال عادة سيئة يتمسّك الناس بها، عادة التبني، ويراد منه كذلك أن ينزل على حكمها، لذلك يقول الله تعالى بعد ذلك مباشرة وهو يهدم نظام التبني:) مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَاكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (( 60) انتهى (61) ."
أما السيدة صفية بنت حيى بن أخطب زعيم اليهود، فقد وقعت في الأسر بعد فتح خيبر، وكان أبوها وأخوها وزوجها قد قتلوا في المعركة .. ورفقا ورحمة بها خيرها الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) بين إطلاق سراحها وإلحاقها بقومها إن أرادت البقاء على اليهودية، وبين الزواج منه إن أسلمت، فقالت له: يا رسول الله، لقد هويت الإسلام