فهرس الكتاب
وصدّقت بك قبل أن تدعوني .. و خيّرتني بين الكفر والإسلام، فالله ورسوله أحب إلى من العتق ومن الرجوع إلى قومي .. فتزوّجها الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ، وجعل تحريرها من الأسر هو مهرها. (62)
ومن الواضح أنه كان من الضروري ألا يتزوج ابنة ملك اليهود سوى من يفوق أباها منزلة ومكانة، وهو سيد ولد آدم (- صلى الله عليه وسلم -) .. وليس معقولا و لا مقبولا أن تترك هذه المسكينة بعد ما كانت فيه من عز ورفاهية ورفعة لمن قد يسئ معاملتها، أو يضرب وجهها .. ويؤيد هذه الرؤية رواية دحية الكلبي - رضي الله عنه - فقد قال للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) : أعطني جارية من سبى يهود. فقال عليه السلام:"اذهب فخذ جارية"، فذهب دحية فأخذ صفية .. فرآها الصحابة فقالوا: (يا رسول الله، إنها سيدة بنى قريظة وبنى النضير، ما تصلح إلا لك) .. فتزوّجها (- صلى الله عليه وسلم -) لذلك السبب. (63)
وذات الأمر كان دافعا للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) للزواج من السيدة جويرية بنت الحارث بن ضرار زعيم بنى المصطلق .. فقد حارب أبوها المسلمين، ولحقت به هزيمة منكرة كادت تتسبب في فناء قبيلته أو إذلالهم أبد الدهر .. و سقط المئات من بنى المصطلق أسرى، ومنهم السيدة جويرية بنت الحارث .. وجاءت إليه فقالت: (( يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه. وقد أصابني من الأمر ما قد علمت(تقصد الأسر والذلّ) فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبني على تسع أواق، فأعنّى في فكاكي - تطلب معاونته (- صلى الله عليه وسلم -) في دفع المتفق عليه لتحريرها من الأسر- فقال لها (- صلى الله عليه وسلم -) : أو خير من ذلك؟ فسألته: ما هو؟ فقال (- صلى الله عليه وسلم -) أؤدي عنك كتابك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله، قال (- صلى الله عليه وسلم -) : (قد فعلت) .
وخرج الخبر إلى الصحابة فقالوا: أصهار رسول الله - يقصدون بنى المصطلق - في الأسر!! .. فجعل الناس يطلقون سراح من عندهم من أسرى بنى المصطلق - تكريما لأصهار النبي الجدد - حتى تحرّروا جميعا.
تقول السيدة عائشة - رضي الله عنها -:أعتق بتزويج جويرية من النبي أهل مائة بيت، فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها. (64) و (65) . وقد أسلم قومها جميعا بعد ذلك وحسن إسلامهم بعد أن طابت نفوسهم بتلك المصاهرة ثم بالمنّ عليهم بإطلاق سراحهم بدون مقابل. وهكذا كانت هذه الزيجة بركة وخيرا للإسلام والمسلمين من كل الوجوه، فقد جلبت هذه الزيجة نعمة الحرية ثم نعمة الإسلام إلى القوم، فضلا عن الشرف العظيم الذي نالوه بمصاهرة سيد العرب والعجم.
وقد أعتق عليه السلام أيضا السيدة"ريحانة بنت زيد من بنى النضير وكان زوجها من بنى قريظة، وكانت قد وقعت في الأسر بعد معركة بنى قريظة التي قتل فيها زوجها، وجعل الرسول عليه السلام عتقها مهرا لها كأختيها صفية وجويرية وتزوّجها طبقا للراجح."
أخرج ابن سعد في"الطبقات"عن الواقدي بسند له عن عمر بن الحكم قال: كانت ريحانة عند زوج لها يحبها، وكانت ذات جمال، فلما سبيت بنو قريظة، عرض السبي على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فعزلها، ثم أرسلها إلى بيت أم المنذر بنت قيس حتى قتل الأسرى، وفرّق السبي، فدخل إليها، فاختبأت منه حياء. قالت: فدعاني فأجلسني بين يديه، وخيرني فاخترت الله ورسوله، فأعتقني وتزوّج بي. فلم تزل عنده حتى ماتت، وكان يستكثر منها، ويعطيها ما تسأله، وماتت مرجعه من الحج، ودفنها بالبقيع"."
وقال ابن سعد في رواية أخرى": أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني صالح بن جعفر، عن محمد بن كعب قال: كانت ريحانة مما أفاء الله على رسوله، وكانت جميلة وسيمة، فلما قتل زوجها، وقعت في السبي، فخيرها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فاختارت الإسلام، فأعتقها، وتزوّجها، وضرب عليها الحجاب، فغارت عليه غيرة شديدة، فطلّقها فشقّ عليها، وأكثرت البكاء، فراجعها، فكانت عنده حتى ماتت قبل وفاته" (66)