فهرس الكتاب
وهكذا تنتقل من مالك إلى آخر. تعمل طوال النهار في كل الأعمال الشاقة، وتجبر ليلًا على ممارسة الجنس مع سيدها، أو مع آخرين ينزلون ضيوفًا عليه - كوسيلة من وسائل الترفيه - فضلًا عن تعرّضها للضرب والأذى- وربما القتل- بلا ضوابط أو حدود أو قيود. و أراد الله تعالى أن ينقذ السيدة مارية من هذا الإذلال والإهدار للآدمية، وأن يخلّدها في العالمين، فأهداها المقوقس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا انقلبت الأحوال بقدرة الله عزّ وجلّ من النقيض إلى النقيض. فقد أنزلها النبي عليه السلام في مسكن خاص كغيرها من نسائه، وكان يجري عليها النفقة كالمأكل والملبس مثلهن سواء بسواء. ثم كان يحنو عليها ويقرّبها إليه ويعاشرها - مع باقي زوجاته- بمنتهى العدالة والنبل. وشاء الله عزّ وجل أن يُنْعم على السيدة مارية بما لم تحظ به حتى السيدة عائشة أحب زوجات النبي إلى قلبه. فقد ولدت السيدة مارية للنبي أحب أولاده وهو"إبراهيم"عليه السلام. والمعروف أن عائشة وحفصة وغيرهن من الحرائر من أزواجه لم ينجبن منه باستثناء السيدة خديجة رضي الله عنها التي كانت قد ماتت بمكة. وهكذا حظيت مارية رضي الله عنها بالقسط الأوفر من المحبة والتكريم باعتبارها أم"إبراهيم"الولد المحبّب إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنها كانت الوحيدة التي جاءت من خارج جزيرة العرب. ومراعاة لبعدها عن قومها كان نبي الرحمة يؤنس وحشتها ويرفق بها لينسيها غربتها.
أم الولد
و من بركاتها أنها كانت سببًا في تشريع عتق"أم الولد"وهي الجارية التي تلد لسيدها ولو"سقطًا"أي جنينًا يقذفه الرحم ميتًا. ففور علمه صلى الله عليه وسلم بمولد ابنه إبراهيم من مارية قال صلى الله عليه وسلم:"أعتقها ولدها"رواه ابن ماجه، والحديث عند ابن سعد في"الطبقات الكبرى"أيضا. وعند البيهقى أن النبي عليه الصلاة السلام قال للسيدة مارية"أعتقك ولدك". واستخدام صيغة الفعل الماضي في الروايتين"أعتقها"أو"أعتقك"يرجّح - في رأى كاتب هذه السطور- أنه عليه السلام قد أعتقها فور ولادة ابنه إبراهيم عليه السلام. أيضا لم يقل أحد أنه اعتزلها، بل استمر في معاشرتها، وزادت مكانتها ومحبتها في قلبه. ومن المعلوم أنها اعتدّت - قضت فترة العدّة -