الصفحة 48 من 61

مثل باقي زوجات النبي بعد وفاته، وهذا دليل على أنه عليه السلام عاشرها حتى موته. و لأنه لا يجوز للسيد معاشرة من أعتقها إلا بالزواج منها - مثل أية امرأة حرّة - فإن هذا دليل لنا على أنه عليه السلام قد تزوّج بالسيدة مارية بعد عتقها- بمولد ولدها- والعلماء يقررون أن"أزواجه"أمهات المؤمنين اللاتي يشملهن تحريم الزواج بهن بعد وفاة النبي هن فقط كل من عقد عليهن الرسول صلى الله عليه وسلم - كزوجات- ودخل بهن بالفعل. والسيدة مارية رضي الله عنها لم تتزوّج بعده مطلقا، وإذا كان عليه السلام قد جبر كسر أخواتها صفية وجويرية وريحانة بالعتق ثم الزواج، فهل يتصوّر أحد أن يبخل أكرم ولد اّدم على أم"إبراهيم"أحب أولاده إليه بالزواج بعد أن أعتقها ولدها بنص الحديث؟!! و لقد كانت عادة بعض العرب أن يعتقوا ثم يتزوّجوا أمهات الولد حماية لأطفالهم - حتى لا يعايرهم أحد برق أمهاتهم- فما بالك بأكرم الخلق أجمعين؟! أليس هو أولى منهم جميعا بكل مروءة وهو الذي أرسله ربه ليتمّم مكارم الأخلاق؟! والثابت أيضا أنه عليه السلام لم يترك- لحظة وفاته - عبدا ولا جارية ولا دينارا ولا درهما كما روت كل كتب السيرة، فقد بادر عليه السلام بعتق 63 نفسا في حياته- وهم كل من وصل إلى يده الشريفة من مماليك - فهل تنفرد السيدة مارية من بين كل هؤلاء بالبقاء في الرق حتى موته؟!! بل هي أولى من الجميع بتعجيل العتق ثم الزواج -على الأقل - تكريما لولده منها. وقد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي عليه السلام قال:"أيّما أمة ولدت من سيدها فإنها حرّة إذا مات إلا أن يعتقها قبل موته"أخرجه ابن ماجة في كتاب العتق، والدارمي في البيوع، وأحمد في مسنده. وهذا الحديث نص على القاعدة العامة وهى تحرير أم الولد لحظة وفاة سيدها. ونلاحظ أن النص قد أورد أيضا استثناء هاما هو: (إلا أن يعتقها قبل موته) وهذا هو الأفضل والأكمل -قطعا- والرسول صلى الله عليه وسلم هو الأولى به - بلا شك- فهو لا يفعل إلا الأوفر و الأكمل من كل خير. والخير التام لها هنا هو عتقها واتخاذها زوجة - بعد أن تقرّر تحرير أمهات الولد يوم مولد ابنه منها - فهي من أمهات المؤمنين. وعلى هذا يتأكّد ما رجّحناه من أنها تحرّرت بمولد ابنها، وتزوّجها عليه السلام، ولم يتأخر تحريرها إلى ما بعد وفاة سيدها كما هو معلوم من أحكام أمهات الولد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت