فهرس الكتاب
وحتى لو كان الرأي الصحيح هو أنها بقيت ملك يمينه حتى مات صلى الله عليه وسلم، فيكفى أنها نالت حريتها في الإسلام - على الأقل - وشرفت بالاقتران والإنجاب من سيد الأنام، وهو شرف لم تنله ابنة سيدها السابق- المقوقس- ولا ابنة كسرى أو قيصر. والله تعالى أعلى و أعلم.
تحرير الملايين
نلاحظ أيضا أن عقد ملك اليمين يكفل للجارية النفقة وحسن المعاشرة و قضاء حاجتها الفطرية إلى الرجل بطريق نظيف شريف، فهو عقد شرعي مشابه لعقد الزواج، ويحفظ لأولاد الجارية من السيد حقهم في الانتساب إلى أبيهم، ويكونوا أحرارا مثله، ولهم عليه كل حقوق النفقة والرعاية والميراث وغيرها، ثم تتحرر أمهم معهم بدورها.
فأية بركة تلك التي تسببت فيها سيدتنا مارية؟! وأي خير عظيم أصاب عشرات الملايين من الجواري على مر العصور بسببها؟! إنها لم تتحرّر وحدها بمولد إبراهيم فحسب، بل حرّرت معها كذلك كل جارية تلد لسيدها ولو سقطًا غير مكتمل النمو. وتحرّر أيضا عشرات الملايين من أولادهن وبناتهن من السادة.
وهكذا نرى بوضوح الحكمة الكبرى في إباحة التمتع بملك اليمين في الإسلام. فقد يبخل السيد على الجارية بالعتق، وقد يأنف من الزواج بها، وقد يتعذّر عليه الزواج بجاريته - إن أعتقها- لكونه متزوّجا بالفعل من أربع حرائر غيرها، لكنه لا يريد فراقها، أو لا يقبل أن يخسر الثمن الذي دفعه فيها. فاقتضى الأمر تشريعا إلزاميا يمنع السيد من بيع الجارية التي تنجب له ولدا، ثم يفرض على الحاكم و الورثة تحريرها لحظة موت سيدها.
وتبدو الأهمية البالغة لهذا التشريع على ضوء ما ذكره المؤرخون من شيوع الرق في كل أنحاء العالم قبل مجيء الإسلام، فقد كان أربعة أخماس البشر عبيدا وإماء للخمس الباقي!! فأراد الله تعالى أن تنتهي معاناة عشرات الملايين من الجواري المسكينات- وأولادهن- بتشريع تحرير"أم الولد". ونظرا لعدم شيوع وسائل منع