الصفحة 57 من 61

ومن ثم فلا بد - عند التعدد - من تيقن العدالة التي تحرسه. أما إذا ظلم الرجل نفسه أو أولاده أو زوجاته، فلا تعدد هناك. الذي يعدّد يجب أن يكون قادرا على النفقة اللازمة. وإذا كان الشارع يعتبر العجز عن النفقة عذرا عن الاقتران بواحدة، فهو - من باب أولى - مانع من الزواج بما فوقها.

إن الشارع يوصى الشباب الأعزب بالصيام ما دام لا يستطيع الزواج، و يأمر العاجز عن الواحدة بالاستعفاف.

)وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ). سورة النور من الآية 33.

فكيف الحال بمن عنده واحدة؟ إنه بالصبر أحق، وبالاستعفاف أولى .. وكثرة الأولاد تتبع - عادة - كثرة الزوجات، والإسلام يوجب رعاية العدل مع الأولاد في التربية، والتكريم، ووسائل المعيشة، مهما اختلفت أمهاتهم، فعلى الأب المكثر أن يحذر عقبى الميل مع الهوى، وكذلك يوجب الإسلام العدل مع الزوجات.

ولئن كان الميل القلبي أعصى من أن يتحكم فيه إنسان، فإن هناك من الأعمال و الأحوال ما يستطيع كل زوج فيه أن يرعى الحدود المشروعة، وأن يزن تصرفه بالقسط، وأن يخشى الله فيما استرعاه من أهل ومال.

تلك حدود العدل الذي قرنه الله بالتعدد، فمن استطاع النهوض بأعبائها فليتزوج مثنى وثلاث ورباع، وإلا فليكتف بقرينته الواحدة (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) من الآية 3 من سورة النساء.

وقرأت لبعض الصحفيين يعترض على مبدأ التعدد: لماذا يعدّد الرجال الزوجات ولا تعدّد النساء الأزواج؟ ‍!! ولقد نظرت إلى هؤلاء المتسائلين فوجدت جمهورهم بين داعر أو ديوث أو قوّاد، وعجبت لأنهم يعيشون في عالم من الزنا، ويكرهون أشد الكره إقامة أمر الأسرة على العفاف ..

والجواب على هذا التساؤل المريض أن الهدف الأعلى من التواصل الجنسي هو إنشاء الأسرة، وتربية الأولاد في جو من الحضانة النظيفة. وهذا لن يكون في بيت امرأة يطرقها نفر من الناس .. يتصارعون للاستحواذ عليها، ولا يعرف لأيهم ولد منها ..

ثم إن دور المرأة في هذه الناحية دور القابل من الفاعل، والمقود المحمول من القائد الحامل .. وإنك لتتصور قاطرة تجر أربعة عربات، ولا تتصور عربة تشد أربعة قاطرات، ومن الكفر بطبائع الأشياء المماراة في أن"الرجال قوّامون على النساء".

على أنه من المؤسف حقا، أن يهدر العوام هذه الحدود، وأن يتجهوا إلى التعديد دون وعي لمعنى العدل المفروض، بل تلبية لنداء الشهوة، ولو أدى إلى الظلم الصارخ.

فالرجل قد يعجز عن نفقة نفسه، ثم هو يسعى إلى الزواج. وقد يعجز عن رعاية واحدة، ثم هو يبحث عن غيرها!!

وقد يحيف على بعض أولاده في التعليم، وفى توزيع الثروة تمشيا مع هواه، وقد يتزوّج الأخرى ليهجر الأولى ويذرها كالمعلّقة.

وربما تجد الرجل يستطيع البناء بأربع، والإنفاق على ما ينجبن من بنين وبنات، ومع ذلك الاقتدار، فهو يحيا على التسول الجنسي والتقلب في أحضان الساقطات، فما دواء هذه الفوضى؟ هل منع التعدد يشفى الأمّة من هذه الأدواء؟ كلا، إن تقييد المباح ليس حلا. إلا أن مبدأ التعدد لو سكت الدين عن إبداء الرأي فيه، لوجب أن نبدى - نحن - الرأي فيه ونقول بإباحته، صيانة للمصلحة العامة التي أوضحناها في صدر هذا الكلام.

ولكن إقرار القاعدة شئ، وسوء تطبيقها شئ آخر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت