وبنتيجة ذلك يمكن القول إن ظاهرة الترجمة مترافقة دومًا مع التواصل اللغوي إما ضمن لهجات نفس اللغة أو بين لهجات لغات متباعدة. وهاتان الظاهرتان على المستوى اللغوي والفكري أصبحتا قابلتين للتوحيد ولو فرضيًا. ومنه نصل إلى نتيجة مماثلة بأن نعتبر أصل جميع اللغات هي لهجات الشعوب المتقاربة التي خضعت لامبراطورية واحدة وحدّتها سياسيًا قبل اكتمال لغاتها الخاصة، فأصبحت المنبع الذي تولدت منه اللغات التي نعتبرها الآن صافية.
ومن هنا نجد أن وحدة اللغة، مثل وحدة الجنس، هي حصيلة تاريخية وليست منطلقًا للتاريخ، أي ليست بداية، لأن اللغات الرسمية أو الواسعة الانتشار تسيطر بالتدريج حيث تصل مع طول الزمن إلى إزالة تعدد اللغات في أمتها، وهذا مانلاحظه خاصة في شعوب أفريقيا السوداء بحكم سيطرة لغة الاستعمار الافرنسي والانكليزي، التي تكاد أن تقتل اللغات القبلية. وكما يحدث أيضًا في الهند والاتحاد الروسي (بالنسبة إلى الانكليزية والروسية.
هناك بالمقابل حالات قليلة تبدو فيها وحدة اللغة والجنس حاصلة ومتعمقة كما هي الحال في الصين واليابان بفضل الكتابة التي كانت ولاتزال هي وحدة التواصل الفريدة التي حافظ الصينيون خاصة عليها رغم تخلفها.
ماهي الترجمة من حيث المضمون
الترجمة هي بنت الحضارة ورفيقتها الدائمة عبر الزمان والمكان، إنها النافذة التي تفتحها الشعوب المختلفة لتستنير بنور غيرها، ولقد عرفها العرب منذ القديم، كما عرفها سائر الشعوب. لقد عرف العرب التواصل في زمن الجاهلية، مع المحيط المجاور ومع اليونان والصين والهند، ولكن بشكل محدود، كما نقل الغرب بدوره عن العرب في الماضي وخاصة في زمن الصليبيين ثمار الحضارة العربية، كما نقل العباسيون بدورهم عن الفرس واليونان والهند وغيرهم.