لقد كانت الترجمة وماتزال دعامة النهضات الفكرية والثقافية للشعوب وعن طريق الترجمة بدأت النهضة الثقافية في عصر الإسلام الأولى، إذ أدرك الخلفاء حاجة الأمة إلى استخدام غذائها الفكري، فتدفقت بواسطة الترجمة الوديان من مختلف الثقافات العالمية إلى النهر العربي. ولقد نهضت الترجمة لدى كل الشعوب بدور جوهري بالنسبة للتاريخ المعرفي وكانت أبرز ظاهرة لنا نحن العرب من حيث الاستقبال أو الإرسال، حيث كان العرب من السابقين في اعتماد الترجمة كمؤسسة رسمية من مؤسسات الدولة، وذلك في بداية الدولة الإسلامية، فما بالنا إذا لم نجزها حقها اليوم في هذا العصر الحديث، عصر التفجر العلمي والثورة العلمية والتقنية، لاسيما وقد اتسعت الفجوة بين الشعوب المصنعة وشعوب أخرى قعدت أو تهاونت عن العمل والسعي، وصار بينها وبين الأمم المتقدمة بون شاسع لابد من اجتيازه وخرق واسع لابد من رتقه، ولكي يصبح بالإمكان معاصرة الحضارة بمستوى فعّال ومبدع، وليس بمعاصرة مستهلكة منفعلة وتابعة، لابد من بذل الجهود المكثفة نحو نقل العلوم والتقنيات الحديثة إلى العربية على غرار ما تم خلال القرنين الثاني والثالث الهجري، وأيضًا على غرار ما تم في أوروبا في القرن الخامس عشر. أي في فجر النهضة الأوروبية حيث نشطت خلالها الترجمة من العربية إلى اللاتينية عن طريق مؤسسات ولجان وطنية أو أجنبية لهذا الغرض، سعت إلى التطعيم من شجرة العلم العربية عن طريق نقل وترجمة الكتب المناسبة من شعر وأدب وفلك ورياضيات.