فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 314

لقد كانت لغتنا العربية الأبية من أمضى الأسلحة في تاريخنا ومعاركنا الثقافية، وإن عجز الأمة العربية في هذه المواكبة، ينحصر في العلوم التقنية الحديثة فقط دون الأخرى من أدبية واجتماعية وغيرها، لذلك فإن هذا العجز لايعني قصور لغتنا بل يعني تقصيرنا نحن، لأن لغتنا أثبتت على مدى تاريخها العريق أنها لاتعوزها خصائص النماء والتطور ولاطاقات التوليد والتجدد. بل كانت وعاء المعرفة المتقدمة لعدة قرون في العصر الوسيط، كما بقيت مرجعًا لعالم ما حولها كان قد نقل عنها شعائر الدين الإسلامي، عقيدة وشريعة.

لذلك لابد من أجل الوصول إلى مستوى المواكبة لهذه التقنية المتدفقة بجديدها من مفردات ومصطلحات ومخترعات، من اتساع دائرة الترجمة والتعريب بمسعى حثيث، ومتكامل ومترابط مع بقية الفعاليات، فالترجمة هي الوسيلة المفضّلة للتعرف على مالدى الآخرين من تقنيات وأفكار مفيدة وغنية، وأيضًا بالمقابل لتعريف الآخرين على مالدينا، بكون الثقافة أخذ وعطاء وليست مسيرة وحيدة الاتجاه وهي بمجموعها مرحلة متتابعة باستمرار لابد من المرور بها لترجمة وتعريب كل مفيد من علوم وتعليم، ولإثراء اللغة العربية وجعلها في عداد اللغات العصرية بعلومها وآدابها وفنونها وتقنياتها المتعددة.

من هذه المنطلقات، تبدو الترجمة والتعريب شكلًا من أشكال الكفاح القومي، ومرابطة فعالة على الجبهة الأخطر من مجمل الجبهات وأعني بها الجبهة القومية، تلك الجبهة التي بقيت عصية على الاختراق حتى في أحلك سنوات الغزو الخارجي وأشدها ضراوة. مع العلم بأن الغزو الثقافي هو أخطر أشكال الغزو الذي تعرضت له الأمة العربية، غير أن لغتنا العربية الأبية كانت ولاتزال من أمضى الأسلحة في معاركنا الثقافية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت