فهرس الكتاب
أما فيما يتعلق باستنارة عقل المأمون وحكمته فلنستمع إلى المؤرخ القاضي-"صاعد الأندلسي الذي يصف لنا المأمون في كتابه (طبقات الأمم) حيث يقول [1] : لما أفضت الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع منهم، عبد الله المأمون بن الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور تمّم ما بدأ به جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخراجه، من معادنه بفضل همته الشريفة وقوة نفسه الفاضلة، فداخل ملوك الروم وأتحفهم بالهدايا الثمينة وسألهم بما لديهم من كتب الفلاسفة. فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب- أفلاطون وأرسطوطاليس وأبوقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس وغيرهم من الفلاسفة. فاستحضر لها مهرة التراجمة وكلفهم بإحكام ترجمتها، ثمّ حض الناس على قراءتها ورغبّهم في تعلمها. فنفقت سوق العلم في زمانه وقامت دولة الحكمة في عصره وتنافس أولي النباهة في العلوم لما كانوا يرون من إعطائه لمنتحليها واختصاصه لمتقلديها. فكان يخلو بهم ويأنس بمناظرتهم ويلتذ بمذاكرتهم، فينالون عنده المنازل الرفيعة والمراتب السنية. وكذلك كانت سيرته مع سائر العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وأهل اللغة والإخبار والمعرفة بالشعر والنسب. فأتقن جماعة من ذوي الفنون والتعليم في زمانه كثيرًا من أجزاء الفلسفة. وسنّوا لمن بعدهم مناهج الطلب ومهدوا أصول الأدب حتى كادت الدولة العباسية تضاهي الدولة الرومية أيام اكتمالها وزمان اجتماع شملها."
وأيضًا يقول ديورانت [2] إن أحد شروط الصلح يبن المأمون والامبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث أن يتنازل هذا للمأمون عن إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينية وكان من بين ذخائرها كتاب بطليموس في الفلك، فأمر المأمون بنقله فورًا إلى العربية.
(1) صاعد الأندلسي: كتاب طبقات الأمم ص47- ابن النديم: كتاب الفهرست ص 352
(2) ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص260-