فهرس الكتاب
ولتبني وإبراز فائدة الترجمة نأتي بالإيضاح التالي: يقول علماء النبات أن النبات إذا طعم ولقح بنبات غيره، أنتج ثمرًا أحلى من النباتين الأولين، فالتفاح إذا طعّم بالكمثرى جاء بفاكهة جديدة أطيب مذاقًا، ويقول علماء التاريخ والاجتماع والحضارة أن الشعب أو المجتمع أو الدولة التي تعيش وحدها، وتنطوي على نفسها ولا يصيبها أي تطعيم أو تلقيح من حضارة أخرى، يكون مصيرها الضعف والانحلال. وهكذا نجد توالي الحضارات القديمة التي كانت دائمًا على اتصال ببعضها. فإذا ضعفت الحضارة القديمة قامت الحضارة اللاحقة، ولهذا لا نجد الحضارة في القديم وقفًا على شعب واحد دون غيره. بل تُشبه الحضارة دومًا الوديعة يتناولها الشعب القوى ليحميها وينميّها ويزيد فيها. وعند ضعفه وانحطاطه أو كلاله تتحول إلى الشعب الناهض حديثًا الذي تكمن فيه عناصر التجدد والقوة والإبداع، وهكذا دواليك.
إن طرق تطعيم الحضارات بين بعضها والبعض الآخر كثيرة ومختلفة، وأن اختلافها بحسب الزمن والعصر فقد يكون الاتصال بين الحضارات عن طريق، الرحلات أو الهجرة أو الحروب أحيانًا، التجارة أو الزواج أيضًا، وغير ذلك من الطرق الحديثة. اليوم، و لكن نقل العلوم من حضارة إلى أخرى وترجمتها من لغة إلى لغة كانت ولا تزال هي الوسيلة المشتركة والناجحة. نعود إلى ذكر العرب كانت حضارتهم قبل ظهور الإسلام حيث كانت حضارة اليمن القديمة التي يمكن وصفها بالبدائية بالنسبة للحضارات التي كانت تجاورها كالحضارة المصرية أو الفارسية، ولكن ما انتشر الإسلام في سرعته المعهودة، حتى انشدَّ إليه العالم أجمع. وفي سنوات قليلة ورثت أملاك الدولتين المجاورتين المذكورتين، وسرعان ما تزاوج الشعب العربي مع شعب تلك المناطق الجديدة جنسًا ولغة وحضارة.