فهرس الكتاب
«إن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثةَ نفرٍ الجنةَ؛ صانعَه يحتسب في صنعه الخير والرامي به ومنبله، وارموا واركبوا وأن ترموا أحَبّ إليّ من أن تركبوا، وليس اللهو إلا في ثلاثة؛ تأديب الرجل فرسه وملاعبته امرأته ورميه بقوسه ونبله، ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها - أو - قال كفر بها» [1] .
وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية، وقد يتعين [2] . أي يصير فرض عين.
وإذا كان الرمي والفروسية أساليب الجهاد في القديم، فهذا يتطلب أن يبذل المسلمون أقصى استطاعتهم في تعلم وابتكار الأساليب القتالية الحديثة، ومتابعة التقدم العلمي، ودراسة آخر نتائج الفكر العسكري، بل إن الإسلام قد حض على أبعد من ذلك وهو أن يعتمد المسلمون على التصنيع الحربي، ولا يعتمدوا على عدوهم أن يصدّر لهم السلاح؛ إذ لا يعقل أن يعطينا العدو سلاحًا قويًا متطورًا ليُضرب به، ولعل هذا المعنى نلمحه من الحديث النبوي السابق: (( صانعه يحتسب في صنعه الخير ) )ومن الحديث الذي يرويه علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كانت بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَوْس عربية، فرأى رجلًا بيده قوس فارسية، فقال: (( ما هذه؟ أَلْقِها، وعليك بهذه وأشباهها، ورِماح القَنَا، فإنهما يؤيد الله بهما في الدِّين، ويمكِّن لكم في البلاد ) ) [3] . وقد أجاب ابن القيم عن هذا الحديث، بأن النهي كان في وقت مخصوص وهو حين كانت العرب هم عسكر الإسلام وقسيّهم العربية، فكلامهم بالعربية، وأدواتهم عربية، وفروسيتهم عربية، وكان الرمي بغير قسيهم والكلام بغير لسانهم حينئذ تشبهًا بالكفار من العجم وغيرهم [4] .
لكن يمكن أن نفهم من هذا الحديث أن يعتمد المسلمون على السلاح الوطني، تصنيعًا وتدريبًا.
(1) أخرجه النسائي في السنن (3578) 6/ 222. وأبو داود (2513) 2/ 16. والترمذي (1637) 4/ 174. وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (2811) 2/ 940. والدارمي (2405) 2/ 269، وإسناده جيد.
منبله: هو الذي يناوله النبل واحدًا واحدًا، ويرد عليه النبل المرمي به.
(2) تفسير القرطبي 8/ 36.
(3) أخرجه ابن ماجه (2810) 2/ 939. وإسناده ضعيف. وأبو داود الطيالسي في المسند (154) 23. والطبراني في المعجم الكبير
(4) الفروسية لابن القيم 423. كما ذكر احتمالًا آخر وهو أن يكون منَع الرجل من حملها لعدم معرفته بها، وتكلفه الرمي بها، والخروج عن عادته وعادة أهل الإسلام حينئذ، ولهذا قال: (( وعليكم برماح القنا ) )فلو قاتلنا أمة لا تنفع معهم الرماح بل السهام والسيوف لم تستعمل الرماح حينئذ، واستعمل معهم ما يخافون شوكته من السلاح.