فهرس الكتاب
إذكاء الروح المعنوية:
من الأسباب المساعدة على حصول النصر رفع الروح المعنوية لدى المقاتل؛ إذ لا قيمة لأي جيش ما لم تكن معنوياته عالية، وقد اعتنى الإسلام بهذا الجانب؛ فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يشجع أصحابه قبل المعارك وأثناءها؛ ففي غزوة بدر فيما يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ... دنا المشركون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ) )قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (( نعم ) ). قال: بخ بخ. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( ما يحملك على قولك بخ بخ؟ ) )قال: لا، والله يا رسول الله! إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: (( فإنك من أهلها ) ). فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل [1] .
بل إن الأحداث الصغار كانت معنوياتهم عالية، قال عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفتّ فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه: يا عم، أرني أبا جهل. فقلت: يا ابن أخي، وما تصنع به! قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. فقال لي الآخر سرًا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدّا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء [2] .
وبعد أُحد خاطب الله المؤمنين يشجعهم ويقوي قلوبهم ويسليهم عما أصابهم يوم أُحد من القتل والقرح: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] . أي: لا تضعفوا عن الجهاد بما نالكم من الجراح، ولا تحزنوا على من قتل منكم، وأنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم؛
فإن مصير أمرهم إلى الدمار، حسبما شاهدتم من أحوال أسلافهم، فهو تصريح بالوعد بالنصر والغلبة
بعد الإشعار به [3] .
كما أمرهم أن لا يضعفوا في طلب أبي سفيان ومن معه حين انصرفوا من أُحد فقال: وَلاَ تَهِنُوا فِي
(1) أخرجه مسلم (1901) 3/ 1509. قرنه: جعبة النشاب.
(2) أخرجه البخاري (3766) 4/ 1464. وانظر: البداية والنهاية لابن كثير 3/ 288.
لم آمن بمكانهما: أي خشيت أن ينالني العدو من جهتهما، فلا يستطيعان حمايتي لأنهما صغيران.
(3) تفسير أبي السعود 2/ 89.