فهرس الكتاب
ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا [النساء: 104] .
فليس ما تقاسونه من الآلام مختصًا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم، ثم إنهم يصبرون على ذلك، فما لكم لا تصبرون! مع أنكم أولى به منهم، حيث ترجون من الله من إظهار دينكم على سائر الأديان، ومن الثواب في الآخرة مالا يخطر ببالهم [1] .
فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه الذين اشتركوا بأُحد فقط في اليوم الثاني من أُحد، لمطاردة قوات قريش، فلما وصل موضع حمراء الأسد جاءه من يخبره بأن قريشًا قررت السير إليه، فلم تتضعضع معنويات المسلمين، وقرروا لقاء قريش، وبقوا ينتظرون هناك هذا الوعيد ثلاثة أيام، فلما علموا بانسحاب قريش عادوا أدراجهم إلى المدينة.
وبهذه الحركة الجريئة استرد المسلمون كثيرًا من مكانتهم التي فقدوها في أُحد؛ فخفّفت من وقع الهزيمة في أُحد، وردّت إليهم معنوياتهم، وأدخلت الرهبة إلى روع اليهود والمنافقين، وأعادت لهم سلطانهم بيثرب قويًا كما كان [2] .
وكما عمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - على رفع معنويات أصحابه في سائر الغزوات عمل على تحطيم معنويات أعدائه بشتى الطرق والمناسبات، وما كانت غزوة الحديبية وعمرة القضاء وغزوة تبوك إلا معارك معنويات لا معارك ميدان.
إن عمرة القضاء فتحت قلوب أهل مكة لأنها حطمت معنوياتهم، وغزوة الفتح فتحت أبواب مكة، كما أن نتيجة غزوة تبوك اندحار معنوي للروم، وبذلك اطمأن العرب إلى أنه بإمكانهم مقاتلة الروم، وكانوا سابقًا يظنون أن ذلك من المستحيلات.
إن أكثر غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت معارك معنويات تؤثر على النفوس والقلوب لا معارك خسائر تؤثر على الأرواح والممتلكات [3] . إنه كان حريصًا على هدايتهم وقتل كفرهم لا قتلهم هم.
(1) تفسير أبي السعود 2/ 228.
(2) الرسول القائد، محمود شيت خطاب 118 - 119.
(3) الرسول القائد، محمود شيت خطاب 329.