الصفحة 77 من 429

اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ذَلِكَ , فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ امْتِنَاعٌ عَنْ الْوُجُوبِ لِإِبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ. وَفِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ الْأَصَحُّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُكْرَهُ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ حَمِيدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ ; لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ , وَإِبْطَالَ حَقِّهِمْ مَآلًا. وَقِيلَ: الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ , كَذَلِكَ الْأَمْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّافِعِيَّةِ , فَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ وَالشِّرْوَانِيِّ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا إنْ قَصَدَ بِهِ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ. وَقَالَ الشِّرْوَانِيُّ: وَفِي الْوَجِيزِ يَحْرُمُ. زَادَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَلَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ بَاطِنًا , وَأَنَّ هَذَا مِنْ الْفِقْهِ الضَّارِّ , وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ يَاثَمُ بِقَصْدِهِ لَا بِفِعْلِهِ. كَذَلِكَ يَحْرُمُ الِاحْتِيَالُ لِأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَظُلْمِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ وَإِبْطَالِ حُقُوقِهِمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى حُرْمَةِ الِاحْتِيَالِ قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ. . .} ; لِأَنَّهُمْ احْتَالُوا لِلِاصْطِيَادِ فِي السَّبْتِ بِصُورَةِ الِاصْطِيَادِ فِي غَيْرِهِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ} 3 - وَيَكُونُ الِاحْتِيَالُ جَائِزًا إذَا قَصَدَ بِهِ أَخْذَ حَقٍّ , أَوْ دَفْعَ بَاطِلٍ , أَوْ التَّخَلُّصَ مِنْ الْحَرَامِ , أَوْ التَّوَصُّلَ إلَى الْحَلَالِ , وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْوَسِيلَةُ مُحَرَّمَةً أَمْ مَشْرُوعَةً , إلَّا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً فَهُوَ آثِمٌ عَلَى الْوَسِيلَةِ دُونَ الْمَقْصُودِ , وَقَدْ يُطْلَبُ الِاحْتِيَالُ وَلَا سِيَّمَا فِي الْحَرْبِ ; ; لِأَنَّهَا خُدْعَةٌ. وَالْأَصْلُ فِي الْجَوَازِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} . 4 - وَمِنْهُ مَا يُخْتَلَفُ فِيهِ وَهُوَ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ مَقْصِدٌ لِلشَّارِعِ يَتَّفِقُ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودٌ لَهُ , وَلَا ظَهَرَ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا الشَّرِيعَةُ بِحَسَبِ الْمَسْأَلَةِ الْمَفْرُوضَةِ. فَمَنْ رَأَى مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الِاحْتِيَالَ فِي أَمْرٍ مَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِلْمَصْلَحَةِ فَالتَّحَيُّلُ جَائِزٌ عِنْدَهُ فِيهِ , وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مُخَالِفٌ فَالتَّحَيُّلُ مَمْنُوعٌ عِنْدَهُ فِيهِ. عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْمُقَرَّرِ أَنَّ مَنْ يُجِيزُ التَّحَيُّلَ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ فَإِنَّمَا يُجِيزُهُ بِنَاءً عَلَى تَحَرِّي قَصْدِ الْمُكَلَّفِ الْمُحْتَالِ , وَأَنَّهُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِقَصْدِ الشَّارِعِ ; لِأَنَّ مُصَادَمَةَ الشَّارِعِ صُرَاحًا , عِلْمًا أَوْ ظَنًّا , مَمْنُوعٌ , كَمَا أَنَّ الْمَانِعَ إنَّمَا مَنَعَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِقَصْدِ الشَّارِعِ ; وَلِمَا وُضِعَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ الْمَصَالِحِ. وَمِنْ ذَلِكَ نِكَاحُ الْمُحَلِّلِ , فَإِنَّهُ تَحَيُّلٌ إلَى رُجُوعِ الزَّوْجَةِ إلَى مُطَلِّقِهَا الْأَوَّلِ بِحِيلَةٍ تُوَافِقُ فِي الظَّاهِرِ قَوْلَهُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} فَقَدْ نَكَحَتْ الْمَرْأَةُ هَذَا الْمُحَلِّلَ , فَكَانَ رُجُوعُهَا إلَى الْأَوَّلِ بَعْدَ تَطْلِيقِ الثَّانِي مُوَافِقًا. وَنُصُوصُ الشَّارِعِ مُفْهِمَةٌ لِمَقَاصِدِهِ , وَمِنْ ذَلِكَ بُيُوعُ الْآجَالِ. 5 - وَأَكْثَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا بِالِاحْتِيَالِ هُمْ الْحَنَفِيَّةُ فَالشَّافِعِيَّةُ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَإِنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُمْ هُوَ مَنْعُ الِاحْتِيَالِ غَالِبًا , وَهُوَ لَا يُفِيدُ فِي الْعِبَادَاتِ وَلَا فِي الْمُعَامَلَاتِ ; لِأَنَّ تَجْوِيزَ الْحِيَلِ يُنَاقِضُ سَدَّ الذَّرَائِعِ , فَإِنَّ الشَّارِعَ يَسُدُّ الطَّرِيقَ إلَى الْمَفَاسِدِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ , وَالْمُحْتَالُ يَفْتَحُ الطَّرِيقَ إلَيْهَا بِحِيلَةٍ. ثَانِيًا بِالْمَعْنَى الثَّانِي: 6 - الِاحْتِيَالُ بِالْحَقِّ مِنْ جِهَةِ الْمُحِيلِ يَكُونُ نَتِيجَةَ عَقْدِ الْحَوَالَةِ , فَالْحَوَالَةُ عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلَ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى أُخْرَى , وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ - كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. 7 - وَهِيَ جَائِزَةٌ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا. وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ} وَالْحُكْمُ فِيهَا بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ مِنْ دَيْنِ الْمُحَالِ لَهُ. وَقَدْ اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّتِهَا شُرُوطًا , كَرِضَا الْمُحِيلِ الْمُحَالِ لَهُ , وَالْعِلْمِ بِمَا يُحَالُ بِهِ وَعَلَيْهِ. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاصِيلِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حَوَالَةٌ) . (مَوَاطِنُ الْبَحْثِ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت