الصفحة 87 من 429

باطلٍ حتّى يموّهه أو في حقٍّ حتّى يدخل فيه شبهةً فما كان على هذا السّبيل فهو مكروه وما كان على سبيل الأوّل فلا بأس به لأنّ اللّه تعالى قال: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} .

وعند المالكيّة - كما قال الشّاطبيّ - الحقيقة المشهورة للحيل أنّها: تقديم عملٍ ظاهر الجواز لإبطال حكمٍ شرعيٍّ وتحويله في الظّاهر إلى حكمٍ آخر، فمآل العمل فيها خرم قواعد الشّريعة في الواقع، كالواهب ماله عند رأس الحول فرارًا من الزّكاة، فإنّ أصل الهبة على الجواز، ولو منع الزّكاة من غير هبةٍ لكان ممنوعًا فإنّ كلّ واحدٍ منهما ظاهر أمره في المصلحة أو المفسدة، فإذا جمع بينهما على هذا القصد صار مآل الهبة المنع من أداء الزّكاة وهو مفسدة، ولكن هذا بشرط القصد إلى إبطال الأحكام الشّرعيّة والحيل في الدّين - بمعنى قلب الأحكام الثّابتة شرعًا إلى أحكامٍ أخر بفعل صحيح الظّاهر لغو في الباطن - غير مشروعةٍ في الجملة.

وقال الشّاطبيّ: ومرجع الأمر في الحيل أنّها على ثلاثة أقسامٍ:

أحدها: لا خلاف في بطلانه كحيل المنافقين والمرائين.

والثّاني: لا خلاف في جوازه كالنطق بكلمة الكفر إكراهًا عليها لأنّه مأذون فيه لكونه مصلحةً دنيويّةً لا مفسدة فيها بإطلاق لا في الدنيا ولا في الآخرة.

والثّالث: وهو محل الإشكال والغموض: وهو ما لم يتبيّن فيه بدليل واضحٍ قطعيٍّ لحاقه بالقسم الأوّل أو الثّاني، ولا تبيّن فيه للشّارع مقصد يتّفق على أنّه مقصود له، ولا ظهر أنّه على خلاف المصلحة الّتي وضعت لها الشّريعة بحسب المسألة المفروضة فيه، فصار هذا القسم من هذا الوجه متنازعًا فيه.

وعند الشّافعيّة قال ابن حجرٍ: الحيل عند العلماء على أقسامٍ بحسب الحامل عليها، فإن توصّل بها بطريق مباحٍ إلى إبطال حقٍّ أو إثبات باطلٍ فهي حرام، أو إلى إثبات حقٍّ أو دفع باطلٍ فهي واجبة أو مستحبّة، وإن توصّل بها بطريق مباحٍ إلى سلامةٍ من وقوعٍ في مكروهٍ فهي مستحبّة أو مباحة، أو إلى ترك مندوبٍ فهي مكروهة، ونقل ابن حجرٍ عن الشّافعيّ أنّه نصّ على كراهة تعاطي الحيل في تفويت الحقوق فقال بعض أصحابه هي كراهة تنزيهٍ، وقال كثير من محقّقيهم كالغزاليّ: هي كراهة تحريمٍ ويأثم بقصده، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «وإنّما لكلّ امرئ ما نوى» فمن نوى بعقد البيع الرّبا وقع في الرّبا ولا يخلّصه من الإثم صورة البيع، ومن نوى بعقد النّكاح التّحليل كان محلّلًا ودخل في الوعيد على ذلك باللّعن , ولا يخلّصه من ذلك صورة النّكاح وكل شيءٍ قصد به تحريم ما أحلّ اللّه أو تحليل ما حرّم اللّه كان إثمًا، ولا فرق في حصول الإثم في التّحليل على الفعل المحرّم بين الفعل الموضوع له , والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعةً له.

وعند الحنابلة: قال ابن القيّم: تجويز الحيل يناقض سدّ الذّرائع مناقضةً ظاهرةً فإنّ الشّارع يسد الطّريق إلى المفاسد بكلّ ممكنٍ، والمحتال يفتح الطّريق إليها بحيلة، والحيل المحرّمة مخادعة للّه، ومخادعة اللّه حرام، فحقيق بمن اتّقى اللّه وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم اللّه بأنواع المكر والاحتيال، ويدل على تحريم الحيل الحديث الصّحيح وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «لا يجمع بين متفرّقٍ ولا يفرّق بين مجتمعٍ خشية الصّدقة» وهذا نص في تحريم الحيلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت