فهرس الكتاب
إنها خصيصة يمكن أن تكشف عن أهميتها المرجعية التاريخية والابستمولوجية إذا ما نُظر لها في إطار عصر التدوين (القرن الثاني والثالث الهجريين) وما اتبع فيه من عقائد ومعارف وتشريعات ورؤى [1] لم تتحدد بنوع معين من التأليف ولم تختص بمجال دون غيره، وهي تضيف لبحثنا ملاحظة ذات شطرين يصب الأول في حركية نص المثل- ومفهومه من قبل- وهو يخضع ضمن آلية تأليف كتب الأمثال لتغير حدوده واختلاف سياقاته، ويُشير الثاني إلى دور هذه الكتب وموقعها في الثقافة العربية التي تدعوها للاستجابة لتغير موجِّهات هذه الثقافة بما يقلل من أهمية فكرة الهامش التي طُرد إليها هذا النمط من التأليف طويلًا وينقله إلى موقع مركزي، لا على أساس نوع الكتب بل بحسب استجابتها لتغيّرات السياق الثقافي.
ويمكن ملاحظة كتاب أبي عبيد بن سلام في هذا الباب بوصفه إنموذجًا لمنهجية لم تكن تتوفر في الكتب السابقة، عومل معها الحديث النبوي معاملة خاصة فهو يضم أكثر من خمسة وتسعين حديثًا تقع معظمها في فاتحة أبواب الكتاب، في الوقت الذي اختلطت فيه الأحاديث النبوية في كتب أبي فيد وأبي عكرمة مع سواها من أمثال العرب وأقوالهم وغريب ألفاظهم، واقتصر وجودها على عدد محدود (حديثان في كتاب أبي فيد، وتسعة عشر حديثًا في كتاب أبي عكرمة) .
ومن المهم الإشارة إلى طريقَتي استضافة الحديث النبوي الشريف في كتب الأمثال، ففي الأولى يُقدَّم في مفتتح النص كما تقدَّم صيغ الأمثال، معتمدًا لأهميته ولخصوصيته اللفظية التي تتوجَّه الكتب في معظم الأحيان لبيان معانيها كما في الأمثلة الآتية:
(وأخبرني أبو فيد، قال: بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
(((نعم الحيُّ بنو مُدْلِج، إذا أهلّوا عجوا، وإذا نحروا ثجّوا ) )) [2]
(قال أبو عبيد: جاءنا الخبر عن النبي( - صلى الله عليه وسلم - ) أنه قال:
(1) ينظر: د.محمد عابد الجابري، التراث والحداثة: 21.
(2) أبو فيد كتاب الأمثال: 77.